نعم إنها الضاحية الجنوبية ببيروت ولست أعني غيرها، التي باتت مكانا مقدسا لدى أمة من الناس آمنت بخط المقاومة، لا يقتصر الأمر كما يحاول البعض تسويقه على الطائفة “الشيعية” الكريمة، فهناك من السنّة آلاف ومن الدروز والعلويّين وغيرهم، بل تخطى الأمر الأديان والجغرافيا، فها هي قلوب غالبية المسيحيين في لبنان وسورية والعراق وقبلهم فلسطين القلب وسائر الأمصار، تهفوا الى تلكم “الضاحية”، مناسبات محدودة في السنة منها العاشر محرم، تتحول القبلة الى هناك، كعبتها منصة ارتفعت قواعدها على أيدي رجال وهبوا مهجهم في سبيل الله وكرامة الأمة، تطوف حولها سبعة أشواط أرواح حلقت من أماكن بعيدة، جاءت على كل ضامر من الدنيا، تسعى بين مرتفعين نصر مضى وآخر موعود قادم، ثم تصلي في مقام الكبرياء ركعة فخر وثانية للعزة، وتشرب من زمزم الفداء والتضحية، وتحلق الذل والهوان وبراثن العجز، ثم تتحلل وترتدي زيّ الأمة العسكري منقلبة من هناك الى ساحات الوغى.
المفارقة أنه لما يخرج السيد حسن نصر الله ليلقى خطابه، الكل مؤيد وخصم وعدويصغي السمع، وتسكن الأصوات ويتوقف الضجيج، وحين أقول الكل فإني أعني من طبقة جون كيري الذي ردد اسم حزب الله في زيارته للمملكة كالوِرد، وقبله رئيس الولايات المتحدة الذي جعل من اسم “حزب الله” بسملة افتتح بها كل كلامه عند زيارته لفلسطين المحتلة، وأعني طبقة لافروف وهيغ ونتنياهو، بالمختصر المفيد صناع السياسة الدولية، ولا يقتصر الأمر عن أتباعهم وخدمهم؛ ذلكم المستوى يعرف جيدا قداسة الضاحية ويخلعون كل تعليق عن خطب نصر الله قد يخرج عن الأعراف الدبلوماسية، خلاف قوم تبع الذين إذا خرجوا من كلمته تساءلوا: ماذا قال آنفا؟ حال ورثها على ما يبدوعن جده صلى الله عليه وسلم. مع ذلك ليس لأحد أن ينكر بأن الرجل وحزب الله، فرضا على قادة العالم وجودهما في كل معادلة يقدمون على ترتيبها، ورقما صعبا يحمل دلالة قوية لا يمكن بحال إغفاله، حتى بلغ الأمر بدولة عربية تناصبه العداء جهرة منذ عام 2006، البدء في تكوين جيش من 250 ألف مرتزق، وهوبالمناسبة ضعف عدد الموجة الأولى التي احتلت العراق، وترصد عشرات المليارات من الدولارات، لا لشيء إلا لاستئصال شأفة هذا الحزب، حجم الاعدادات يبين جليا مدى قوة هذا الحزب في تقدير خصومه من بني جلدته، وتقدير عدوه الأصيل؛ لتكتمل الصورة أمام كل عقل عربي سوي، كان يتساءل حول إمكانيات هذه المملكة “الاسلاماوية” لتكوين جيش وتسليحه لمواجهة العدوالاسرائيلي وتحرير الأقصى وفلسطين، أوعلى الأقل في أسوأ الأحوال دعم المقاومة في غزة هاشم، وتقديم السلاح لرجالها، الامكانية موجودة ولكن ليس لمواجهة العدو، ولا حتى لدعم من يواجهه، ولا حتى للدفاع عن النفس لمواجهة خطر متوهم، إنما لها هدف وحيد هوحرب كل من يحارب العدو؛ هذا جزء من استراتيجية متكاملة، أشار لها بكل وضوح عاموس يدلين (رئيس معهد الأمن القومي الاسرائيلي، ورئيس شعبة الاستخبارات سابقا) في مقال له 2013/11/14 إذ كتب:” للولايات المتحدة واسرائيل وكذا باقي القوى العظمى، ولقسم كبير من الدول العربية، مصلحة قومية (ضعوا تحت لفظ قومية مئة خط أحمر) واضحة وصريحة لإبعاد إيران عن القدرة على إنتاج سلاح نووي”. كلمة القومية هنا المشتركة لم تأتي اعتباطا اوزلة لسان من رجل يحتل المكانة التي أشرت لها، فمعلوم أن أكثر من %25 نسبة اليهود “العرب” في الكيان الاسرائيلي، وهؤلاء العباقرة يعملون على إقناع الناس بعداء العرب للفرس، يلعبون على وتري الطائفة والعرق، لعلمهم بأن وقود الحروب هي العامة، التي عادة لا تملك قدرة التمييز إلا بهاذين العاملين، وليس بمقدورها الذهاب أبعد من ذلك.
وبالعودة الى الضاحية الجنوبية، تلقى خصوم السيد حسن نصر الله الرسائل السطحية، وهي تحديدا التي تعنيهم، وتعذر عليهم فهم رسائل أخرى ولا حتى مجرد التقاطها،منتهى الاهتمام موقفه من تكوين الحكومة في لبنان، وأبعده بقاء عناصره في سورية، مع أن الموقف يحتمل قراءة أعمق، ووزن الرجل يفرض النظر أبعد بكثير من هذه المواضيع التي باتت في حكم المعلوم من السياسة بالضرورة، فالرجل لا أحد ينكر زهده واستغناءه عن الحكومة اللبنانية، ومقامه أرفع وسلطانه أوسع، ودفاعه في سورية مؤسس عن عقيدة راسخة وواقع يلمسه بيده ويراه بعينه، لن يحول ما لم تتغير الأمور على الأرض، قرار فصل فيه قبل أحداث القصير، ومعروف عنه فصل الخطاب؛ لكن ما لم يستطع التقاطه الخصوم اللفظيون، أصحاب الحروب الصوتية ومعارك الصالونات، هوتحديدا ما توقف عنده إعلام العدوالأصيل الاسرائيلي، رسائل بالغة الدقة والخطر، تترجم علوالصراع ونوعيته المتقدمة على الصعيدين الاستخباراتي والتكنلوجي، هذا ما أراده السيد حسن نصر الله بخروجه المباشر الى جمهوره في العاشر من محرم، تنقل صحيفة يديعوت أحرنوت 2013/11/13 أن ظهور الأمين العام لمدة 17 دقيقة له إشارة هامة، فمن الصعب أن يكون معلوما بأن وصول الطائرات الحربية الاسرائيلية، الى نقطة تكون الضاحية في مرمى نيرانها 30 دقيقة بالضبط، فضلا عن هذا رصدت المصالح المعنية على مستوى الحدود مع لبنان أثناء إلقاء كلمته، تشويشا رهيبا على حد وصفها كما حدث ذلك في بيروت، مما يؤثر على حركة الطائرات، وعاينت في ذات التوقيت تعطل شبكة الانترنت والاتصالات في بعض المناطق، هذه التفاصيل وغيرها هوما التقطه العدوالاسرائيلي، مقرا بأنها كانت معركة 17 دقيقة، أحرز فيها مرة أخرى حزب الله انتصارا في ميدان التكنلوجيا والاستخبارات، وحُق لأمينه العام أن يتحدث من موقع المنتصر، المالك لمفردات لغة مع الأسف قليل من بني جلدته من يفهمها، وبات يتقنها جيدا عدوالأمة، لم يكن أبطال وثوار الفضائيات يتصورون بأن خروج السيد حسن نصر الله، هي رسالة من عدة صواريخ أشبه بعملية البارجة البحرية ساعر 5، أوطائرة “أيوب” التي حلقت فوق ديمونة، وحق للكاتب مع هذا المستوى من الصراع الرفيع، أن يقول لكل بطل في فنادق خمس نجوم، حين يقترب من الضاحية الجنوبية: اخلع نعليك يا هذا…..