اثيوبيا تضطرب من جديد!
اضحوي جفال محمد*
بشكل بدا مفاجئاً للمراقب الخارجي أعلنت سبعة فصائل اثيوبية مسلحة تحالفاََ عسكرياً ضد حكومة آبي أحمد، وباشرت العمليات العسكرية، وسيطرت على مدن ومطارات ومعسكرات. وكل فصيل منها ينحدر من مقاطعة ادارية ومكون سكاني مختلف، الأمر الذي يشكل تحدياً بالغ الخطورة للدولة الإثيوبية ونظامها السياسي القائم.
نحن كعرب غير معنيين بالأوضاع الداخلية في هذا البلد الكبير المجاور لأمتنا، يعنينا فقط موقعه من شؤوننا. والحاصل على ارض الواقع ان نظام ابي احمد يضطلع بأدوار عدائية تلقى دعماً وتمويلاََ من جهات معادية لنا وإن كان بعضها عربياً.. فإسرائيل لا تخفي توظيفها موقع وقدرات اثيوبيا لتحقيق مآربها الصهيونية، ومن هذا الباب تدخل الإمارات كممول لدسائس الصهيونية حيثما وجدت.
لم أقصد ان حكومة اثيوبيا عميلة لإسرائيل وتعمل لها كما هو معروف عن العملاء العرب، وانما التقت مصالح اسرائيل وبعض مصالح اثيوبيا عند نقاط ضارة للعرب وتشكل تهديداً لأمنهم القومي. وبعضها، كسد النهضة، لا يخدم إسرائيل في شيء سوى انه يطعن بلدين عربيين وهذا بحد ذاته يدعو اسرائيل للسهر عليه.
في الحقيقة سد النهضة لا يعود على اثيوبيا ذاتها بنفع يستحق ان تنفق عليه كل هذه الميزانية وتضحي لأجله بعلاقاتها التاريخية مع جيرانها العرب، فالأمر فيه من الابتزاز بقدر ما فيه من الاحتقار لكلا البلدين المتضررين: السودان ومصر.
السد يقع على مسافة 14 كيلومتراً فقط من الحدود السودانية، فماذا تستفيد الدولة من بناء سد بمليارات الدولارات عند نقطة خروج النهر من ارضها؟ تصور ان تقيم سوريا سداََ على الفرات عند مدينة البوكمال! ما فائدته؟ نعم يولّد كهرباء، ولو طُرح الموضوع بنوايا سليمة لوافقت مصر على بناء محطات انتاج كهرباء في اثيوبيا تعادل ما ينتجه السد، وتعهدت بوقودها بدل ان يتجشم البلدان كل هذه التكاليف المادية والسياسية الكارثية المترتبة على بناء السد. فالغرض كان الابتزاز المطعّم باحتقار جلي للدول العربية المعنية. ولا أدل على الاحتقار من اختيار موقع السد ضمن مدى الهاون من داخل حدود البلد المتضرر. فالأسلحة المتوسطة قادرة من داخل السودان ان تعطّل العمل به!. وبما اننا لا نستطيع رمي صفة الغباء على رئيس الوزراء الاثيوبي يكون التفسير الوحيد لبنائه السد على الحدود تماماً انه واثق من عجز الحكام العرب عن فعل شيء. وهكذا كانت ذروة ابداع السيسي لمنع مشروع يهدد بقطع مياه النيل أن طلب عام 2018 من ابي أحمد خلال مؤتمر صحفي ان يقول: والله والله لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر. فقال احمد وهو يبتسم ازدراءََ: والله والله لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر… فتلفت السيسي بظفر وكأنه فتح عمورية.
اثيوبيا بلد عملاق، وعريق، وقريب للعرب جغرافياً وثقافيّاََ وعرقياََ، لكن التطورات التاريخية صنعت بينه وبين العرب الآسيويين حاجزاً سياسياً ممثلاً بوجود الصومال وجيبوتي واريتريا كيانات تمنع من الاحتكاك. فإثيوبيا دولة حبيسة لا تملك منفذاً على البحر، ولو ملكت لكانت قوتها البحرية سيدة البحر الأحمر في هذا الزمن العربي البائس. وخلال فترة الاستقرار القصيرة التي شهدتها اثيوبيا منذ قضائها على تمرد التغراي عام 2022 بدأ آبي احمد يخطط لاخراج بلاده من الظلم الجغرافي الذي يجعل تواصلها مع العالم الخارجي رهناََ بإرادات دول صغيرة كأريتريا وجيبوتي، ووجد الفرصة السانحة بحالة التمزق التي تعيشها الصومال، فتحرك وبدعم اسرائيلي وإماراتي نحو (ارض الصومال) المقاطعة شبه المستقلة على خليج عدن، وابرم معها اتفاقاً يعطيه طريقاً إلى البحر.
تسربت الاخبار ولم يصطدم بردود فعل تمنعه من استكمال اجراءات الضم لذلك الشريط عندما اندلعت الحرب الجديدة، ذات الاسباب الداخلية اكثر من الخارجية، والتي من شأنها ايقاف مشاريع آبي احمد التوسعية حتى لو قُدر له ان ينجو من السقوط. وانها لفسحة ثمينة للعرب المتضررين كي يصلحوا ما فسد من أحوالهم في مواجهة اثيوبيا.. فهل يملكون التغلب على خوارهم؟!.
( اضحوي _ 2449 )
2026-09-30