اتفاق “أميركي-إسرائيلي” لتقاسم مواجهة الوجود الإيراني في سورية والعراق..
والعرب ما زالوا يتحدثون عن الفرس والمد الشيعي!
سعد الفاعور* فيما تسعى إيران إلى خوضِ حربٍ استباقيةٍ في مواجهة التغول الأميركي والتمدد الصهيوني باتجاه عديد من الأقطار العربية، لاسيما لبنان وسورية والعراق واليمن، وصولاً إلى طهران لاحقاً، تنبري الأنظمة الرسمية العربية الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك قطاعات واسعة من الشعوب العربية التي على دين ملوكها في تكريس هالة كبيرة من العداء الطائفي غير المبرر تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشقيقة، عبر نعتها بوصوف الفرس والشيعة والصفويين، في تماهٍ غير مسبوق مع الدعاية الصهيونية! دبلوماسي إيراني رفيع، ورئيس مركز دراسات استراتيجية، علق في حديث خاص أجريته معه على هذه المشهدية بألم. محذراً بأن العرب سيندمون ندماً شديداً، إن لم يفيقوا من غفوتهم، أو إن سمحوا للأميركيين بتوريطهم في حرب أخرى عبثية كتلك التي خاضها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ضد الإيرانيين بتحريض أميركي. قائلاً على العرب أن يدركوا أن المظلة الأميركية ليست أفضل حالاً من نظيرتها الإنجليزية، وكلتاهما لا تحقق الغاية منها وقت الحاجة. وأن على دول الإقليم الجلوس معاً للتعاون فيما بينهم وحماية أنفسهم ومصالحهم بمعزل عن التدخلات الخارجية. في حديثي معه عبر البريد الإلكتروني، حبذَّ الدبلوماسي الرفيع عدم الإشارة إلى اسمه، مستدعياً ما قاله الشاعر أمل دنقل: “هل تتساوى يدٌ سيفها كان لك؛ بيدٍ سيفها أثكلك؟”. متسائلاً: متى سيعي العرب أن السيف الإيراني هو لنصرتهم ونصرة قضاياهم، بينما السيف الأميركي والسيف الإسرائيلي مسلطان على رقابهم ليثخنها بالجروح والآلم، وتوريطهم في مستنقعات الحروب التي لا تنتهي؟ الدبلوماسي يذكر هنا بأن إيران دعمت المقاومة في غزة ودعمت المقاومة في لبنان ودعمت المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي، كما دعمت العراق في مواجهة داعش وهجمته الدموية الشرسة. وأن وقوف إيران إلى جانب العراق مكن الدولة العراقية من استعادة السيطرة على كامل محافظات التراب العراقي التي احتلها تنظيم داعش وهجر منها ملايين السكان، فضلاً عن قتل عشرات آلاف المدنيين واغتصاب وسبي آلاف النسوة. في حديثه شدد الدبلوماسي على أن التحرك الإيراني في الإقليم هو خطوة استباقية لمواجهة سيناريوهات حرب تخطط لها أميركا وتسعى إسرائيل إلى تنفيذها، وللأسف بعض الأنظمة الرسمية العربية تتورط في تمويلها وتغذيتها، إما بالتسليح والتمويل أو عبر تكريس الحقد الطائفي وبث العداوة والكراهية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر الإعلام والمنابر الدينية. طهران لن تقبل بلعب دور المشاهد الصامت، أو دور خروف العيد الذي ينتظر دوره لكي يقاد إلى المسلخ كي يتم حز عنقه وتقطيع أوصاله. لن تقبل أن تنتظر حتى يأتي العدو إلى عقر دارها ليستل سكينه ويغمدها في قلب الجمهورية، فإيران لها الحق بالدفاع عن نفسها وعن دورها الإقليمي في مواجهة المخططات الإسرائيلية والأميركية، والكلام أيضاً للدبلوماسي الإيراني. في هذا الصدد، كان وزير الدفاع الإسرائيلي ناتالي بينيت، في الرابع من شباط/فبراير 2020، في زيارة عمل رسمية معلنة إلى الولايات المتحدة، استغرقت زهاء خمسة أيام، وهناك التقى بنظيره الأميركي مارك إسبر وعدد من كبار قادة الجيش والاستخبارات والأمن الأميركيين، وبعد عودته إلى “تل ابيب” خرج الوزير بينيت بتصريح يؤكد فيه أن “إسرائيل والولايات المتحدة قررتا تقاسم مواجهة إيران في سورية والعراق، على أن تتولى واشنطن إجهاض النفوذ الإيراني في العراق بينما تتولى إسرائيل التصدي للتمدد الإيراني في سورية”. ومن سخرية القدر ربما، أن الدور الإيراني في كل من العراق وسورية، هو الذي حال دون نجاح المخطط “الأميركي-الإسرائيلي” الممول خليجياً في تقسيم البلدين إلى كيانات غير متجانسة سنية وعلوية وشيعية وكردية وغيرها من طوائف وعرقيات من أجل بلقنة وصوملة هذه البلاد وتكريس نهج المحاصصة الطائفية فيها! ومن سخرية القدر أيضاً أن الدور الإيراني هو الذي حال دون تمكن التكفيريين والإرهابيين من اتباع الكويتي شافي العجمي، والسعودي عبدالله المحيسني، وجبهة النصرة المدعومة قطرياً، وفصيل نور الدين زنكي المدعوم تركياً، من الاستمرار في توسيع وتمدد دولة جهاد النكاح، وحز الأعناق، وقطع الرؤوس وتقاذفها بالأقدام، على وقع أناشيد مجاهدي وديمقراطيي الرايات السوداء “المسيحي ع بيروت والعلوي ع التابوت”، إلى جانب أناشيد السلم والإخاء التي كانت تبشر سكان نبل والزهراء بالذبح وحز الأعناق وسبي النساء! في السادس عشر من شباط/ فبراير الجاري، رصد الدبلوماسي ورئيس مركز الدراسات الإيراني، تصريحاً صادراً عن الخارجية الأميركية، جاء فيه: “إنَّ كلاً من روسيا والصين وإيران تهدد سيادة الدول الحرة؛ وأن الاعتداءات على سيادة الدول تزعزع استقرارها وتفقرها وتستعبد شعوبها؛ وأن الاعتداء على السيادة هو بمثابة اعتداء على الحرية”. وبلغة لا تخلو من التعجب والاستنكار، يتساءل الدبلوماسي والمحلل الاستراتيجي الإيراني هنا: “إذا كانت أميركيا تحترم سيادة الدول، فلماذا لم تخرج جيشها من القواعد العسكرية في العراق احتراماً لرغبة مجلس النواب العراقي واحتراماً لرغبة الشعب العراقي الذي خرج في مظاهرات بالملايين تطالب برحيل المحتل الأميركي؟ وإذا كانت أميركا تحترم حقاً سيادة الدول وتعتبر أن الاعتداء على السيادة هو بمثابة اعتداء على الحرية، فلماذا دعمت سيطرة إسرائيل على الجولان السوري المحتل؟ لماذا دخلت أميركا الأراضي السورية وانشأت قواعد واحتلت مطارات عسكرية في الأراضي السورية دون رغبة الحكومة السورية أو موافقتها، بينما إيران وروسيا تتواجدان في سورية بطلب رسمي من الدولة السورية التي لها تمثيل سياسي ودبلوماسي في الأمم المتحدة ويعترف بها وبشرعيتها وبالاتفاقيات الموقعة باسمها كل دول العالم!”. الدبلوماسي الإيراني أضاف أن أميركا تناقض نفسها وهي تتحدث عن احترام سيادة الدول. فهل نسيت أنها تسعى إلى فرض رئيس بالقوة على الشعب الفنزويلي بديلاً عن الرئيس المنتخب من ثلثي الشعب الفنزويلي! الخارجية الأميركية تقول إن وجود قاعدة عسكرية في بلد هو انتقاص لسيادته، وتنسى أن للولايات المتحدة 750 قاعدة عسكرية في 130 دولة حول العالم، والكلام ما يزال على لسان الدبلوماسي الإيراني. مضيفاً أن أميركا تنشر أكثر من نصف مليون جندي وجاسوس وتقني وموظف ومعلم ومتعاقد مدني في أكثر من 100 دولة حول العالم! * سعد الفاعور، كاتب وصحفي وباحث في القضايا السياسية والدينية – من الأردن. 2020-02-27