إمبراطورية يوسف!
رنا علوان
يوسف بيّدس ، الأب الفعلي للإقتصاد اللبناني ، كما المصرفي العبقري صاحب امبراطورية [ إنترا ]
اوصله طموحه وذكائه الى اعالي المجد ، واسقطه حبه لوطنه ودعمه لأولى شرارات المقاومة ، ففاز بالأخيرة
في خمسينيات القرن الماضي ، تمكن اللاجئ الفلسطيني الذي وُصف بالعبقري ، من فرض الآمان المصرفي بعد ان أنشأ بنك إنترا محققًا نجاحًا إقتصاديًا باهرًا ، حيث أنشأ اول شركة طيران لبنانية كما تلفزيون لبنان ، وغيرها العديد من المشاريع الهامة التي جعلت اسم سويسرا الشرق يقترن بلبنان بفضل إنجازاته ، ما دفع ب( شارل ديغول) أن يتمنى لو انه كان لفرنسا شخصية مثله ليونصّب (وزير مالية) فيها
بعد النكبة الفلسطينية عام 1948 ، توافد أهلنا من فلسطين الى لبنان ، أسّس يوسف فيه ، أضخم إمبراطورية مالية ليس في لبنان فحسب ، بل بالشرق الأوسط أيضًا
فقد نجح بيدس بالسيطرة على جزء كبير من السوق المالي في لبنان ، وحاز على ثقة شرائح واسعة من المودعين والراغبين باستثمار أموالهم لا سيما من الفلسطينيين ، ليلحق بركبهم بعض الاشقاء العرب تفاديًا لِمَ كانت تعانيه بلادهم من خضات اقتصادية ، وصرامة الأنظمة
وُلد يوسف بيّدس عام 1912 في القدس ، من مدينة الناصرة ، والده الأديب خليل بيدس وهو كاتب ومترجم فلسطيني ، كما يُعتبر من رواد الترجمة من اللغة الروسية إلى اللغة العربية ، حيث ترجم أعمال تولستوي وبوشكين إلى العربية ، وبيدس ابن لأم لبنانية الأصل كما عقيلته وداد سلامة التي بدأت حياتها معه عام ١٩٤٦ بعدما التقيا في مدينة القدس في منزل خالها اللبناني منير أبو فاضل الذي كان يعمل في الشرطة الفلسطينية آنذاك
عمل يوسف وهو شاب يافع في عدة مؤسسات مالية في فلسطين منها بنك “بارلكس” البريطاني والبنك العربي الذي أصبح مديره العام في ما بعد
( تحالف ضده رجال المال والسياسة في لبنان في قصة علوّ وانهيار ما زالت تثير الجدل حتى يومًا هذا ، الا أن الحقيقة تقول بأن اللوبي الصهبوني هو من اوقع به ، حيث كان صاحب أول تبرعٍ فاق الألف ليرة لبنانية آنذاك لحركة فتح في بداياتها ( منظمة التحرير الفلسطينية ) ، ليكون بيدس بذلك الممول الأول للطلقة الأولى )
بدء يوسف ابن 36 عامًا ، رحتله بإفتتاح محلاً للصرافة في بيروت ، واستغل كافة الظروف المحيطة بالمنطقة ليصنع منها درجات على سُلم النجاح ، الا ان هذا السلم قد كان مليء بالصعاب ، ولكنه بحنكته التي امتاز بها استطاع تجاوزها ، فأسس بنك انترا في بيروت عام 1951 ، وخلال سنوات قليلة إستطاع بيدس جعل البنك واحدًا من أكبر البنوك اللبنانية
لم يتوقف بيدس عند هذا الحد بل استمر في استغلال الظروف ، ففي عام 1956 وإبان العدوان الثلاثي على مصر استقطب جزءًا من رؤوس الأموال المصرية الكبرى وبذلك صار بنك “انترا” أكبر بنك في لبنان على الاطلاق ، كما أسس شركة انتاج كبرى أراد من خلالها جعل لبنان “هوليود الشرق”
وأخذ يوسف بالانتشار عالميًا كمصرفي من الطراز الرفيع ، ليُطلق عليه بعض الغربيون لقب “المقدسي العبقري” لشدة ذكائه المالي ، كما اشترى عقارات في نيويوك وباريس واستثمر في بناء السفن بايطاليا
حقق البنك في أعوام قليلة نجاحًا ضخمًا بحيث ارتفع حجم أعماله من 5 ملايين ل.ل إلى 700 مليون ل.ل. وتحوّل إلى إمبراطورية مالية تضم حوالى 40 فرعًا عاملاً في أنحاء لبنان وعدد كبير من الدول منها سوريا ، والأردن ، والعراق ، وقطر ، وسيراليون ، وفرنسا ، وألمانيا ، وإيطاليا ، وبريطانيا والولايات المتحدة
وتم تأسيس مصارف شقيقة لـ”إنترا” ضَمت 33 فرعًا و4 مصارف في لبنان و48 شركة ، بالإضافة إلى الشركات التابعة مثل شركة مرفأ بيروت وراديو أوريان وفندق فينيسيا ، واستديو بعلبك وحوض لاسيوتا لبناء السفن في فرنسا وغيرها العديد ، وتجاوزت موازنة مجموعة “إنترا” في تلك الفترة خمسة أضعاف موازنة الدولة اللبنانية ، وكانت تشغل ثلاثين ألف عامل ، أي أكثر من موظفي القطاع العام آنذاك
عام 1966 ، وفي قمة الإزدهار وبدون إنذار مسبق بدأت أزمة “إنترا” التي أطاحت بإمبراطورية بيدس وبالقطاع المصرفي في لبنان الذي كان يشهد انتعاشًا هائلاً في تلك الفترة
يعتبر البعض قصة بيدس نذيرًا مبكرًا للخلافات الفلسطينية اللبنانية في السبعينيات ، فأغلب تأويلات انهيار “إنترا” تعيد الأمر إلى خوف العائلات اللبنانية صاحبة النفوذ المالي والسياسي من هذا الفلسطيني العنيد ، ما دفع بهم للإستجابة الى تلك الايادي الخبيثة التي هدمت كل ما بناه بيدس من ازدهار
بحلول عام 1966 استحوذ بنك انترا على 17% من الودائع اللبنانية وهذا لم يرق للنخبة اللبنانية وقتها ولا للعدو الذي احتل ارضه وهجّره وأهله منها ، لتآمروا عليه لاسقاطه
وفي بداية عام 1966 كان يوسف في رحلة عمل خارج لبنان وظهرت اشاعات قوية بين المودعين بأن البنك ينهار بسبب استثماره بالأسهم وتوجه المودعون للبنك وطلبوا ودائعهم ولكن السيولة لم تكف العدد الكبير فطلب البنك في اجراء روتيني قرضًا من البنك المركزي اللبناني لكن البنك المركزي رفض تأمين هذا القرض ما أدخل يوسف في الأزمة
سارع كبار المودعين لسحب أموالهم بعد خوفهم من افلاس البنك ما زاد وضع البنك بأزمة كارثية وادخله في نفق الانهيار
يؤكد الاقتصاديون أن البنك كان يملك من الأصول والعقارات ما يغطي كل أموال المودعين لكن رفض البنك المركزي في تلك اللحظة اقراضه مبلغًا بسيطًا ادى لانهياره
بعد انهيار البنك دخل الاقتصاد اللبناني بهزة كبرى لا زال يعاني منها إذ اتجه صغار المودعين إلى البنوك الغربية كما فقدت الثقة بالاقتصاد اللبناني ، وتبخرت أحلام يوسف بجعل لبنان سويسرا الشرق بعد سحب كل المودعين العرب أموالهم
شد رحاله وتوجه بيدس إلى البرازيل لتأمين سيولة مالية توقفه على قدميه مجددًا ، وعلى الرغم من [ عدم وجود اتفاقية تسليم مطلوبين بين البرازيل ولبنان ] أبرقت الحكومة اللبنانية للبرازليين بأن يوسف يمول أنشطة ضدهم ما دفع بالحكومة البرازيلية لوضعه تحت قيد الاقامة الجبرية
بطريقة ما استطاع بيدس من السفر إلى سويسرا وهناك تم القبض عليه ما لبس أن فتك فيه المرض فلم يمهله سوى عامين ، حتى وافته المنية عن عمر يناهز ال 55 عامًا ، توفي يوسف بسرطان البنكرياس لأنه لم يستطع ان ينال العلاج كما يجب
العبقري الإقتصادي بيدس لا زال اسمه حاضرًا الى اليوم ، ولستُ أدري هل لغموض المجريات والأحداث التي حصلت ، فالتعمّد في عدم معرفة الحقيقة او السماح بالكلام عنها ، يثير الإستغراب ، وهذا ما دفع من بعض اصحاب المروءة من كتاب ومخرجين ، الى إبقاء ذكره حاضرًا ، كعربونًا منهم وتقديرًا لإنجازاته ، فولد كتاب تحت عنوان ( يوسف بيدس ، إمبراطوريّة إنترا وحيتان المال في لبنان) لكمال ديب ، أما المخرجة كريستيل خضر إستأهلت قضية البنوك اللبنانية المتهاوية عملاً مسرحيًا يناقشها ، ويحمل عنوان : “من قتل يوسف بيدس”، وربطه بأزمة إفلاس بنك إنترا ، بالإضافة الى العديد من الأعمال الوثائقية ، والمقالات وغيرها
في الختام نجد كيف أنه ، مهما حاول الظلم ان يكتم الحقيقة ، سوف نجد أصوات جريئة تخترق جدران الكتمان ، الى أن يُظهروها جليًا للعيان
2023-05-18
