إسرائيل المحرِجة لأصدقائها: الإبادة غيرت كل شيء
كوتزي الذي رفع كأس الخمر في حفل تسلم جائزة أورشليم قبل أربعين عاماً بدا كأنه اكتشف للتو أن الكأس التي شربها حينذاك كانت مخلوطة بدماء الفلسطينيين والعرب
سعيد محمد*
لا تلبث دائرة المقاطعة الثقافية لإسرائيل في الغرب تتسع لتشمل أسماء أدبية وفنية بارزة تتعامل مع المشاركة في الفعاليات الإسرائيلية بوصفها عبئاً أخلاقياً. على أن الكاتب الجنوب أفريقي وحائز نوبل ج. م. كوتزي (86 عاماً) لم يكتف برفض حضور مهرجان الكتّاب الدولي في أورشليم (25 إلى 28 مايو/ أيار) بسبب “حملة الإبادة الجماعية في غزة” التي تشنها الدولة العبرية، وانما كتب رسالة شديدة إلى المنظمين أدان فيها المجتمع الإسرائيلي برمته، قائلاً: “على مدى العامين الماضيين، كانت دولة إسرائيل تشن حملة إبادة جماعية في غزة غير متناسبة بشكل كبير مع الاستفزاز القاتل في 7 أكتوبر 2023، ويبدو أن هذه الحملة، التي نفذها الجيش الإسرائيلي، حظيت بدعم حماسي من الغالبية العظمى من سكان إسرائيل. لهذا السبب، لا يمكن لأي قطاع كبير من المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك مجتمعه الفكري/الثقافي والفني، أن يدعي أنه لا ينبغي أن يتحمل مسؤولية الجرائم في غزة.”
كوتزي الذي ولد في جنوب أفريقيا تحت نظام الفصل العنصري ويعيش في أستراليا، يعد تقليدياً من مؤيدي إسرائيل، وكان قبل جائزة أورشليم الإسرائيلية (1987) بعد سنوات قليلة من مذابح صبرا وشاتيلا في بيروت. وقد أشار إلى ذلك في رسالته فكتب: “حتى وقت قريب كانت إسرائيل تتمتع بدعم واسع في الغرب. كنت أعتبر نفسي من بين هؤلاء المؤيدين: كنت أكرر لنفسي أن ثمة وقت قادم بالتأكيد عندما يغير الشعب الإسرائيلي نهجه ويحقق نوعاً من العدالة للفلسطينيين الذي استولى على أرضهم. وبهذا الروح زرت القدس في عام 1987 لتسلم جائزة أورشليم، لكن حملة الإبادة في غزة غيرت كل شيء”. وأضاف – وفق نص الرسالة التي وصلت ل ذي غارديان البريطانية -: “لقد أدار أصدقاء إسرائيل القدامى وجوههم مستائين من تصرفات الجيش الإسرائيلي، وسيستغرق الأمر سنوات طويلة كي تغسل إسرائيل العار الذي لحق بها، بافتراض رغبتها في ذلك، وأن تعيد تأسيس نفسها في المجتمع الدولي.”
موقف كوتزي المفاجئ لم يصفع وجه الدولة العبرية فحسب، وإنما أثار الانزعاج في المؤسسة الثقافية للغرب الليبرالي كلها. فهذا كاتب احتفى العالم بلغته التي تشكلت في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وتدرس أعماله في جامعات الغرب الكبرى ضمن الأدب الأنجلوساسكوني المعاصر كنماذج في العلاقة بين السلطة والعنف والشعور بالذنب الشخصي، وتوج بكل جوائز الأدب المرموقة بما فيها نوبل (2003)، وبوكر (مرتين). ولذلك أتى امتناعه عن قبول دعوة المهرجان أشبه بانشقاق داخل الطبقة الثقافية التي تنتج الهيمنة الرمزية للغرب وتمنح فظائعه تغطية أخلاقية، وورطة تامة لأصدقاء إسرائيل الذين لم تعد لديهم رفاهية تأجيل الاختيار بين الصورة والمرآة: صورة إسرائيل المرسومة بعناية؛ دولة حديثة، خضراء، ديمقراطية، بقيم غربيّة تقيم مهرجانات أدبية دولية تناقش قضايا الحريات وحقوق الإنسان في العالم. والمرآة: الدولة اليهودية التي عرتها حرب الإبادة في غزة؛ منظومة فصل عنصري وديني تمارس إبادات متعددة الأشكال منذ التأسيس، وتستخدم التجويع سلاحاً، وتقتلع العائلات من جذورها في الضفة الغربية بموافقة المحكمة العليا، وتغتال الشعراء والروائيين والأطباء والصحافيين، وتحكم على الأسرى بالإعدام.
فضيحة إسرائيل المحرِجة لأصدقائها ليست اليوم في أن كاتباً بمكانة كوتزي امتنع عن حضور المهرجان. الفضيحة في أن كوتزي تحديداً اضطر لأن يمتنع. فهذا المثقف الذي رفع كأس الخمر في حفل تسلم جائزة أورشليم قبل أربعين عاماً بدا كأنه اكتشف للتو أن الكأس التي شربها حينذاك كانت مخلوطة بدماء الفلسطينيين والعرب.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-05-10