إستراحة التقاط الأنفاس في الصراعات الإقليمية والدولية!
يوسف السعيد
مؤشرات عن مرحلة من التهدئة على معظم محاور الإشتباك في المنطقة والعالم، الضغوط تخف عن سوريا ولبنان، وربما تصل قريبا إلى عودة سوريا إلى الجامعة العربية، والمباحثات لإيقاف حرب اليمن تزداد كثافة وجدية عن أي فترة سابقة، ولقاءات شبه معلنة بين إيران والسعودية بوساطة العراق وسلطنة عمان، ودور أكبر للتجمع المصري الأردني العراقي في ترطيب الأجواء، وتخفيف الحصار عن غزة والضفة، وتوصيل الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر سوريا، وعودة مرتقبة لمفاوضات الإتفاق النووي الإيراني في جنيف.
لم يكن اللقاء بين وزير الخارجية المصري سامح شكري ووزير الخارجية السوري فيصل المقداد على هامش إجتماعات الأمم المتحدة صدفة عابرة، بل إشارة عن مرحلة جديدة، واكبها لقاءات علنية وأخرى سرية بين وفود عربية وسورية.
ما هي دوافع هذا التوجه الجديد الذي لم تعد الأعين تخطئ علاماته؟ وهل سيكون ترطيب الأجواء مجرد هدنة عابرة وهشة أم مرحلة طويلة، وبداية فتح المزيد من ملفات الأزمات المتراكمة، والتي بلغت حدودها القصوى في السنوات الأخيرة، وبلغت حافة إنفجار كبير؟
أهم الدوافع نحو إحتواء الأزمات هو حالة الإجهاد التي استنزفت العديد من الدول والشعوب المنطقة وخارجها، وخوض جولات تلو الأخرى دون تحقيق نتائج سوى المزيد من الخسائر والإحتقان.
الأوضاع الدولية والإقليمية مواتية لفترة هدوء وهدنة قد تطول أو تقصر، فالولايات المتحدة غارقة في أزماتها الداخلية من إنقسام وارتفاع قياسي في حجم الديون بلغ 28 ترليون دولار، وشرخ عميق في علاقتها مع الإتحاد الأوروبي، بلغت ذروته مع فرنسا الداعية لاستقلال عسكري وأمني عن الولايات المتحدة، وألمانيا ستحتفل خلال أسابيع بضخ أنابيب غاز خط السيل الشمالي الروسي الثاني عبر بحر البلطيق، والذي حاولت الولايات المتحدة عرقلته دون جدوى، ولا تتحمس أوروبا لمشاركة الولايات المتحدة في حلف عسكري ضد الصين، ترى أنه لن يجر عليها سوى المزيد من الإنهاك، فاقتصاد أوروبا يعاني أيضا من ديون ثقيلة وتباطؤ في معدلات النمو، باستثناء ألمانيا، والأزمات الإقتصادية والإجتماعية تنعش اليمين العنصري المتطرف في معظم الدول الأوروبية، واحتمالات تقلبات سياسية وإجتماعية خطيرة، ولهذا لا تريد السير خلف الولايات المتحدة عدا بريطانيا التي تتعلق بأوهام العصر الذهبي لبريطانيا العظمى، لكنها تواجه أزمات لا تقل خطورة عن باقي أوروبا، وظهرت أزمات نقل الوقود والسلع، حتى استعانت بالجيش في قيادة الشاحنات التي لا تجد سائقين، والتهديد الأكبر يأتي من تنامي رغبة كل من اسكتلندا وأيرلندا الشمالية في الإستقلال، وشبح التشقق والإنقسام يهدد حزبي المحافظين والعمال، وذهبت أحلام الخروج من الإتحاد الأوروبي وأوهام انتعاش إقتصادي لا يبدو أنه سيأتي، ولن تجد من الولايات المتحدة المأزومة المدد الكافي لتضميد أزماتها. وكان الخروج الأمريكي من أفغانستان تجسيدا لتلك الأزمة، وشهد الكونجرس جلسات استماع عن سبب الإرتباك الأمريكي في الإنسحاب، وكشف عن حجم التخبط وعدم الكفاءة، وما نجم عن الإنسحاب المرتبك من تداعيات على صورة الولايات المتحدة والثقة فيها، وامتد تراجع الثقة من شركائها في حلف الناتو إلى دول الخليج.
على الجانب الآخر لا تريد الصين أي مواجهات عنيفة مع الولايات المتحدة الجريحة، فأي اشتباك عنيف سيؤدي إلى خسائر متبادلة تأمل تجنبها، بينما التنافس الهادئ سيكون في صالح الصين التي تمضي إلى الأمام بسرعة كبيرة، وما يمكن أن تضمن تحقيقه من تقدم دون صدام وخسائر سيكون أفضل كثيرا، وهذا لا يعني أنها تتجاهل إحتمالات صدام عنيف، وزادت من قدراتها العسكرية بسرعة كبيرة، كسبيل لردع أي تحرك للتحالف الأمريكي الجديد مع بريطانيا وأستراليا. وكذلك تسعى روسيا إلى تعزيز قوة الردع في شرق أوروبا، إلى جانب تقوية علاقاتها مع كل من الصين وإيران وتركيا لتأمين منطقة القوقاز في الجنوب، لكنها تأمل في تحسين إقتصادها وتجنب الحرب الإقتصادية.
أما منطقة الشرق الأوسط والتي دفعت الثمن الأكبر للصراعات الدولية والإقليمية فإنها تواقة لفترة إلتقاط أنفاس، حتى دول الخليج الغنية التي وجدت أن ثرواتها تتبدد في معارك لا طائل من ورائها، وأن مؤشرات تراجع النفوذ الأمريكي يدفعها إلى التفكير مليا في مرحلة ما بعد النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومن هتا جاءت المبادرات من أجل الحوار وتحسين العلاقات أو على الأقل وقف التدهور وتضميد الجراح في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا، والتي أدت إلى أزمات سياسية وإقتصادية تعاني منها جميع دول المنطقة، لهذا بدأت إطلالة الخريف بأجواء تهدئة تسعى إلى مصالحات تمتد من سوريا وإيران إلى اليمن وليبيا، ورغم أن التوصل إلى حلول مرضية لجميع الأطراف ليست هينة، وأن التناقضات مازالت متقدة تحت الرماد، إلا أن جميع الأطراف في حاجة إلى هدنة لالتقاط الأنفاس على الأقل، وربما تفكيك بعض الأزمات المعقدة ولو إلى حين.
(مقالي في الأهرام-الأحد)
2021-10-04