ألعراق الدامي في قلب المعركة!
عماد قطينة
لم يكن العراق يوما بعيدا عن قضايا الأمة وخاصة في قضيتنا الفلسطينية , حيث سجل التاريخ حضوره الدائم في جميع الحروب مع الكيان الصهيوني , وحضوره ماقبل قيام الكيان,حيث الدعم والملجأ لقادة الثورة مابين 1936-1939 , واستمرار الحال حتى النكبة عام 1948 . والتي قدم فيها العراق الكثير من الشهداء .
موقع العراق ومقدراته وحضارته ودوره التاريخي جعله هدفا دائما للمشاريع المعادية , ولا ننسى حلف بغداد( غرب آسيا) الفاشل والمتزامن والمتناسق مع حلف جنوب شرق آسيا في خمسينيات القرن الماضي , حيث لم يكن اختيار بغداد اعتباطيا , ولا ثقة بولاء العراق وديمومة زعاماته للمحور الإستعماري , بقدر ماكان الحلقة الأهم والأقوى في الفكر وفي سلسلة المشروع التي يمكن بالسيطرة عليها من سحب السلسلة كاملة . فالبريطاني لم ينس بعد ومعه الأمريكي ثورة رشيد عالي الكيلاني بمعانيها وأبعادها ودورها في تحرر العراق .
أصل الرؤية والفكرة في مشروع بغداد تقوم على التقدير بإمكانية السيطرة على الراس أو القلب , وهذا ما تمثله العراق . رغم وجود ايران الشاه الحليف الإستراتيجي الأقرب والأضمن للإستعمار .
لماذا إذن بغداد؟
ببساطة لتأثيرها الإستراتيجي في العالم العربي , وخاصة بلاد الشام والجزيرة , وهي المحيطة بالكيان الصهيوني الناشيء في حينه . والتي فيها الثرواة الأهم لهم , عدا الجغرافيا .
والعراق بوضعه وموقعه الجغرافي والسياسي ومقوماته الإقتصادية والبشرية والعسكرية , مثل حالة مؤرقة دائما للمشاريع المعادية , وخطرا داهما على الرجعيات المحيطة التي تبنتها وأوجدتها الدول الإمبرياليه , وبترولها المحرك الرئيسي لعجلة الإقتصاد الغربي . لذلك كان لابد من استنزافها بشكل متواصل وبشكل مدروس ومحسوب منذ الجلاء العثماني وسايكس بيكو بعدها .
والمسألة الكردية كانت ولا زالت ورقة قوية تستخدم في الضغط المتواصل والتهديد الدائم لوحدة الدولة العراقية وسلامة أراضيها وقوتها .
كما وأن الحرب الإيرانية العراقية ( حرب الثماني سنوت ) أتت في سياق التوريط لذات الأهداف والغايات , ولكن بصورة مختلفة وهي الحيلولة دون استمرار تقدم العراق اقتصاديا وعلميا وعسكريا , وللحد من تأثيره الإقليمي في جبهة الرفض للتطبيع ولوجود الكيان ذاته , حيث كان يعيش نهضة نسبية على هذه الصُعُد . وفي ذات الوقت إضعاف ايران ما بعد الشاة والتي تكن عداء للغرب عموما .
وبعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية , وإنهاك البلدين فيها لصالح رجعيات خليجية وصهيونية كهدف إضافي , وتراكم مليارات الديون , تم الإستكمال من خلال التوريط في اجتياح الكويت والتي شكلت ذريعة لحرب كونية للإنقضاض عليه وترتيب أوراقه بما يتناسب والخلل الجديد الناشيء عن الإجتياح والحصار والإفقار .
إن اجتياح العراق عام 2003 وسقوط النظام لم يكن هذفا بحد ذاته , بل مقدمة لحضور وإشراف أمريكي مباشر على تقسيمه وتدمير مقدراته العلمية والعسكرية والإقتصادية ونسيجه الإجتماعيوالطائفي والعرقي والقومي , بما ينتج كيانا او سلطة هزيلة لا تمتلك القدرة على الصمود سوى بدعم خارجي , أي سلطة بوصاية تعيش رعب الإرهاب والتقسيم بين كرد وسنة وشيعه , وتكون أسيرة إشكالياتها الداخلية وإفقارها , دون إهمال النفوذ الخارجي فيها .
لقد تحولت العراق من قلعة حامية قوية ودولة ذات سيادة , الى ساحة تصفية حسابات دولية وإقليمية , تشوهها العديد من الإختراقات الثقافية والإنحرافات المذهبية والولاءات المتناقضة في توازن هش لا يسمح بكيان قوي متماسك قادر على التفكير بالإستقلال والسيادة لغياب مقوماتها وخاصة السياسية منها .
وما يجري في العراق اليوم هو تحقيق (فوضى خلاقة) بالبرنامج الأمريكي , سبق أن طرحته الإدارة الأمريكية علنا . ومعنى الخلاقة هنا هو خلق بؤر تفجير وتفتيت وتقسيم وسلسلة أزمات لا تنتهي للعراق كدولة بموقومات , وكشعب مستهدفة وحدته . وبالمقلب الآخر خلق مناخات وأجواء لتقبّثل الأمريكي كمشروع داعم للكيان وأنظمة الخليج وأمن مصالحهم , وجر المنطقة كنتيجة لمحور التطبيع والإصطفاف في الخندق الإستعماري في الصراع الدولي .
طبيعي أن تكون مثل هذه السيناريوهات في مواجهة قوى أخرى ودول أخرى ومحاور أو محور آخر , سواء إقليمية أو دولية , وهذا ما تعكسه الحالة السورية , والتي ليست العراق بمنآى عنها , بل وان لها مساهماتها الحيوية في نتاجها الحالي .
العراق لازال يمتلك الخيارات , وإن كانت قيادته السياسية المتنفذة في الحضن الأمريكي . ولا زال العراق عربيا وقوميا ومسلحا بهذه الثقافة وبقوى ميدانية معادية للمشروع التصفوي , لعبت دورا حاسما في تصفية مشروع الدولة الداعشية التي كاني في طريقها لأفغنة البلد وإدخاله دوامة حروب لا تنتهي .
العراق حاليا يخضع لتجاذبات ويسير على حد السيف في رسم حاضره ومستقبله , وهو لن يسقط كليا في الحضن الأمريكي بفعل توازنات القوى القائمة سياسيا وعسكريا وشعبيا , ومعركته الحقيقية تكمن في حسم عدائه للتقسيم والطائفية والداعشية , وفي توحيد مكوناته ضد الأخطار الخارجية , وهذا يتحقق فقط وبالدرجة الأولى في تحالف شعبي وحزبي عريض يتبنى ويدفع ويضغط نحو الإنخراط والإلتحاق الرسمي بمحور المصالح الوطنية التي هي مصالح محور المقاومة التي هي في خندق المعاداة المشترك للأمريكي وحلفائه من رجعية وكيان ..
2021-11-04