أعلام الاحتلال ومرتزقته
كاظم الموسوي
” .. التحقيق الذي نشره مؤخرا موقع «مكتب الصحافة الاستقصائية» The Bureau of investigative journalism بين أنّ الولايات المتحدة كانت تعمد إلى استخدام شركات علاقات عامة وإعلانات من أجل نشر صورة معيّنة عن ما تسميه “الإرهاب”!، بما يتناسب مع عملها خلال احتلالها العراق، فضلا عن الراغبين في خدمتها أو بائعي الضمير من المرتزقة الذين لم تسترهم كل محاولاتهم للاختفاء أو الإنكار أو التلون وغيرها..”
لم يعد الاحتلال بالدبابات والطائرات فقط، بل تنوع أيضا مع التطورات التقنية والعلمية مستغلا كل ما يمكن أن يخدم أهدافه في تدمير البلدان وتحطيم الشعوب. ومن بين تلك الوسائل التي استخدمها المحتلون واستثمروا فيها في حروبهم وغزوهم واحتلالهم في الفترات الأخيرة وسائل الإعلام بكل مستوياتها وأنواعها ولغاتها. بل أصبح في ظروف معينة من الغزو والاحتلال أهم الوسائل وأكثرها استثمارا عسكريا حربيا. إذ بات سلاحا خطيرا مشاركا قبل أو موازيا مع الطائرات والدبابات وخطط القواعد العسكرية واستراتيجيات الغزو والحرب والاحتلال. فوطننا العربي تعرض منذ عقود إلى حالات متعددة ومختلفة ومنوعة من الاحتلال والمحتلين. ووسائل الميديا الإعلامية المستخدمة موجهة ومروجة لأهداف الاحتلال ومن ضمنها تشغيل المرتزقة بنفس المهام والواجبات. وقامت هذه الوسائل بآلياتها وآلتها بدورها المرسوم لها واستمرت تخدم مخططات الاحتلال والاختلال، ويمكن القول في هذه التطورات أن هناك ثمة احتلال إعلامي، بهيمنة وسيطرة وتحكم اعلامي.
ليس آخر الفضائح وكشف هذه الأدوار نهاية القصة. فالتحقيق الذي نشره مؤخرا موقع «مكتب الصحافة الاستقصائية» The Bureau of investigative journalism بين أنّ الولايات المتحدة كانت تعمد إلى استخدام شركات علاقات عامة وإعلانات من أجل نشر صورة معيّنة عن ما تسميه “الإرهاب”!، بما يتناسب مع عملها خلال احتلالها العراق، فضلا عن الراغبين في خدمتها أو بائعي الضمير من المرتزقة الذين لم تسترهم كل محاولاتهم للاختفاء أو الانكار أو التلون وغيرها..
وفق موقع «مكتب الصحافة الاستقصائية» أن وزارة الحرب الأميركية «البنتاجون»قدمت إلى شركة «بيل بوتنغر» 540 مليون دولار مقابل عمليات بروباغندا في العراق من عام 2007 إلى عام 2011.
قال مارتن ويلز، أول موظف من الشركة البريطانية يتحدث لوسائل الإعلام، إنه عمل بجانب مسؤولين عسكريين أميركيين رفيعي المستوى في مقرّهم الرئيسي في «معسكر النصر» Camp Victory في بغداد، بينما كانت المعارضة العراقية لوجود القوات الأميركية تستعر في الخارج. ونقل التقرير عن رئيس شركة «بيل بوتنغر» السابق، تيم بيل، تأكيده لصحيفة «صنداي تايمز» أن شركته عملت على عملية عسكرية سرية جرت تغطيتها باتفاقيات مختلفة. وأشار التحقيق إلى أن تيم بيل يعدّ من أبرز المديرين التنفيذيين في مجال العلاقات العامة في بريطانيا، الذي ذكر أنّ الوكالة كانت تقدم تقارير إلى البنتاجون ووكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي، عن عملها في العراق.
وأشار التقرير، نقلاً عن مارتن ويلز، إلى أن عمليات الشركة كانت تتضمن ثلاث مهمات رئيسية، هي إنتاج مواد تلفزيونية تعكس صورة سلبية عن تنظيم «القاعدة»، وإنتاج مواد تلفزيونية تظهر كأنها مصنوعة للقنوات التلفزيونية العربية، أما المهمة الثالثة فقد كانت حساسة للغاية وتشمل إنتاج أفلام مزوّرة منسوبة إلى تنظيم «القاعدة».
حسب ما نشرته “الأخبار” والوكالات عن هذه العمليات الإعلامية بانها فضيحة مخفية واعتراف بحقائق خطيرة كانت الأجهزة الحربية الأميركية تؤديها وتكلف بها من يوفرها لها وتستخدمها في حروبها وغزواتها واحتلالها، لاسيما في العراق. ووظفت لها مختصين وماهرين بها وقادرين على أداء مهماتها حسب المطلوب منهم أو أكثر منه.
تتبّع المكتب عمل الشركة مع مختلف الجهات الأمنية والعسكرية الأميركية، وأجرى مقابلات مع ستة مسؤولين سابقين مشاركين في العمليات الإعلامية التي تمّت في العراق. وقد تغيّرت ملكية الشركة عام 2012، ولم تعد بهيكليّتها الحالية، على اتّصال مع الوحدة التي تم إنشاؤها في العراق بعد أن تم إغلاقها عام 2011. وقد نفى العاملون الرئيسيون في تلك الوحدة تورّطهم بالعمل في برامج الملاحقة.
كان عمل شركة بيل بوتينغر في العراق عبارة عن عملية إعلامية ضخمة كلّفت سنوياً 100 مليون دولار، وكشف أحد المستندات أنّ الشركة وظفت 300 بريطاني وعراقي هناك. وكانت الوكالة قد توجهت من لندن إلى العراق بعد وقت قصير من الغزو الأميركي. في اذار/ مارس 2004 وتم تكليفها من قبل الإدارة المؤقّتة للعراق بتعزيز حملة الانتخابات “الديمقراطية”!.
كما أكد البنتاجون أنّ بيل بوتنغير عمل لديهم كمقاول في العراق في ظلّ قوة مهام عمليات المعلومات لإنتاج بعض المواد التي كان مصدرها قوات التحالف الأميركي، فيما البعض الآخر لم يتم الاعلان عنها. كما أصرّت قوات التحالف أنّ جميع المواد التي يتم انتاجها تتمتع بالمصداقية. وكان ويلز قد غادر العراق بعد أقل من سنتين، نتيجة توتر كبير في ظلّ العمل في منطقة حرب مضطراً أن يشاهد شرائط غرافيك للفظائع المرتكبة يوماً بعد يوم.
اشار التحقيق إلى أن «مكتب الصحافة الاستقصائية» استطاع تتبّع أكثر من 540 مليون دولار من العقود بين البنتاجون وبيل بوتينغر، وهي عقود تتعلق بعمليات إعلامية ومعلوماتية بين أيار/ مايو 2007 وكانون الأول/ ديسمبر 2011. وتحدث التقرير عن أن هناك عقداً سنوياً بلغت تكلفته 120 مليون دولار في عام 2006.
كانت معظم هذه الأموال تتعلق بنفقات الإنتاج مثل التوزيع والنشر، لكن الوكالة أكدت أنها حصلت من هذه العقود على ما يقارب 15 مليون جنيه إسترليني (حوالى 20 مليون دولار) من الأرباح..
وأكد التقرير أنّ العمل في العراق كان مربحاً للعديد من الوكالات، مشيراً إلى الشركات التي تشبه في طبيعة عملها «بيل بوتينغر»، ذلك أن التحقيق الذي قام به موقع «مكتب الصحافة الاستقصائية» رصد وجود أكثر من 40 شركة جرى التعاقد معها، بين عامي 2006 و2008، للقيام بمهمات تتعلق بإنتاج الفيديو والمنتجات الدعائية للراديو وللتلفزيون أو حتى لتنظيم استطلاعات للرأي، لكن ذلك لا ينفي أن شركة «بيل بوتينغر» كانت أكثر من استفاد مادياً من ذلك النوع من العمليات.
هذه فضيحة واحدة لكنها مؤشر لما كان الاحتلال يقوم به ومازال مستمرا على دوره وعمله فيه. وهذه اشارة للاحتلال الاعلامي في بلدان اخرى ايضا تؤدي وظيفة الاحتلال والغزو العسكري والاستيطاني والقواعد الاستراتيجية العسكرية.
