أسطورة جنين [ محمود طوالبة ]! رنا علوان
أوْقِدوا شُموعَكَم مِعراجًا لأحزاننا
واسكُبوا شُجونكَم في كفِّ المُنى القاني
واتْلُو المراثيَ في سمع الزمانِ
فبدرِ الجَّمالِ تَشَظَّى في وجوه الشهداءِ
الشهيد الأسطورة [ محمود طوالبة ] الذي حُفر إسمه في ذاكرة فلسطين وفي ذاكرة كل شريف ومُؤيد لهذا النهج المقاوم ، لقد آمن محمود طوالبة ( بفكرة موازنة الرعب مع جيش الاحتلال الإسرائيلة بدلاً من موازنة العدة والعتاد) ، فقام بالتخطيط والدراسة لكيفية قض مضاجع الاحتلال الإسرائيلي ، ووجد من العمليات الفدائية كطريقة مثلى لموازنة الرعب ، فقام بإرسال عدة فدائيين إلى داخل الخط الأخضر
لم تكن معركة مخيم جنين ، قبل أكثر من 20 عاما ، معركة عادية خاضها الشعب الفلسطيني ومجاهدوه ، ضد الاحتلال
فقد كانت أول معركة يُقدم عليها جيش العدو بطائراته القتالية ودباباته والمئات من جنوده ، منذ العام 1967، ضد مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين قرّروا التصدي لقواته التدميرية ، والدفاع عن مخيّم لا تتجاوز مساحته الكيلومتر الواحد ، ورفض الانصياع الى جبروته ، أي الخروج من المخيم والسماح له ، طوعيًا ، بتدميره واعتقال أبناءه وقتل مجاهديه ، وإلغاء وجوده كبؤرة مقاومة موحّدة ضد وجوده ، ينطلق منها المجاهدون لتنفيذ عمليات استشهادية في الداخل المحتل وإرساء معادلة جديدة في مقاومة العدو
وقبل هذه المواجهة بيومين ، اقتحمت قوات العدو مخيم جنين في عملية “كاسر الأمواج” ، في محاولة لاستعادة هيبتها والتعويض عن فشلها في ايقاف العمليات البطولية في الداخل المحتل عام 1948، حيث قتل 11 صهيونيا خلال بضعة أيام لكن كان مجاهدو مخيم جنين لهم بالمرصاد ، فتصدوا ببسالة لهذا الاقتحام الضخم ، بالجنود والآليات ، وأوقعوا جريحا صهيونيا خلال اشتباكات عنيفة ، حيث استشهد مقاومان ، سند أبو عطية (17 عاما) ويزيد السعدي (27 عاما) وجرح 15 مواطنا، لكنهم أفشلوا الاقتحام و”كاسر الأمواج”
لقد كان القضاء على اسطورة جنين ( محمود طوالبة ) أحد أهم أهداف الجيش الصهيوني في المعركة التي شُنت على المخيم ، لِمَ كان يشغله من منصب مهم في حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس ، ولقيامه بتجنيد العديد من الاستشهاديين وإرسالهم لتفجير أنفسهم في داخل الأراضي المحتلة عام 1948
ويقول الأسير المحرر علاء الصمادي من مخيم جنين:” أول ما تلفظ به الكابتن جمال الصهيوني أثناء اعتقالي خلال معركة مخيم جنين وكان (يُلّح في سؤال الشبان المعتقلين من جنين) وأنا منهم عن محمود طوالبة قائلاً”:هل منكم رأى جثة محمود ؟ هل منكم من يستطيع إرشادي إلى مكانها؟ “، ويؤكد لهم غير مرة أن القوات الصهيونية المحاصرة للمخيم ستنسحب فور (تأكيدهم استشهاد محمود) أو التوصل إلى مكان جثته!!.
وبعد مقاومة عنيفة وضارية من المجاهدين استمرت لعدة أيام خلال معركة جنين البطولية ، وفي يوم الاثنين الموافق 8-4-2002 ، استطاع العدو الصهيوني تشخيص المكان الذي يتواجد فيه القائد محمود طوالبة وبرفقته مجموعة من المجاهدين (عبد الرحيم فرج وشادي اغبارية (نوباني) وأشرف أبو الهيجا)، عقب الكمين البطولي الذي نفذه هؤلاء المجاهدون الأبطال ضد جنود الاحتلال ، وقُتل فيه عدد من جنود الاحتلال وأصيب آخرون
وكما هو واقع الحال ، قام العدو بعد هذه العملية البطولية النوعية والجريئة بصب جحيم ناره بصواريخ “الأباتشي” ومدافع الدبابات على المكان الذي تواجد فيه القائد محمود طوالبة مع عدد من المجاهدين، مما أسفر عن استشهاد القائد طوالبة مع العديد من إخوانه الأبطال ، وبعدهــا ورد الخبر لبقيــة المجموعــات بــأن المجموعــة المتواجــدة في بيــت أبــو جــواد القاســم قد استُشــهدت
[كان الشهيد الأسطورة محمود طوالبة يبثُ الروح الجهادية بين أبناء وأطفال ونساء مخيم جنين وجواره ، ومن أقواله (إن عمليات الاغتيال لن تردعنا ولن تردع الجهاد الإسلامي ، ولا كتائب شهداء الأقصى ، ولا القسام ، ولا الشعب الفلسطيني كله على حد سواء ، بل سنواصل نضالنا ، كما وأقسم بالانتقام لدماء جميع الرفاق)]
لقد صنع الأسطورة طوالبة جيلاً من المقاومين ، ينتمون الى مدرسة الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي
فأصبح أطفال فلسطين البارحة شهداء اليوم ، واطفال اليوم مشروع شهداء الغد ، ليس للدفاع عن المخيم وأهله وتاريخه فحسب ، بل لشنّ الهجمات على قوات الاحتلال والانطلاق نحو القدس
ولقد صرّح القيادي في حركة الجهاد الإسلامي ، المُحرّر الشيخ خضر عدنان “بأننا خلف جيل جهادي مؤمن بوعده تعالى لعباده المؤمنين ، وجيل لا يعرف الخوف ، (يتقدم الميادين منتظراً النصر أو الشهادة) وبعد عقدين على معركة مخيم جنين الخالدة وارتقاء الشهيد القائد محمود طوالبة وصحبه ، حمل الراية ابن عمومته ( المجاهد خليل طوالبة) ، الذي كان رضيعاً وقت معركة المخيم 2002 ، ليلحق أيضاً بركب الشهداء ، مقبلاً غير مدبر”
سيحملون الابطال وصيتهم وأمانة استمرارية طريقهم الجهادي المقاوم ، وسيستمرون في قتال العدو والتصدي له والرد على جرائمه بكل إصرار وثبات مهما بلغت التضحيات”
ختاماً ، (إن للشهداء نوراً من انوار الرحمان ، يُهتدى به ، ولولاهمُ لضاع الحق وهانت المواجِعُ)