أجمل الأمهات: الحياة في مواجهة الإبادة!
اختار العرب يوم الحادي والعشرين من آذار/مارس ليكون عيد الأم لكونه أول أيام فصل الربيع، الذي تمثّل مظاهر الطبيعة فيه رمزا لانتصار الحياة على الموت، وبذلك يحتفل المحتفلون، سواء قصدوا ذلك أم لا، بالأزهار في الطبيعة، الذي هو معادل الولادة لدى الأم.
غير أن الفارق الجليّ بين الأمهات وعناصر الطبيعة الدالة على الحياة، من أشجار وأزهار ونبات، هو أن الأمهات لا يرتبطن بفصول الزمن، ولا بعناصر الفيزياء المحتمة، بل يشاركن بعقولهن، وعواطفهن، وأجسادهن، في تغيير العالم عبر مشاق رحلة الحمل والوضع وتنشئة الأطفال وتربيتهم فيعطين، مع نسلهن من أولاد وبنات، وأزواج وأشقاء معنى لكل شيء.
يتصادف هذا العيد العربي مع عيد نيروز جيران العرب وأشقائهم في التاريخ من فرس وكرد وأقباط، والذي يعتبر أول يوم في السنة الزراعية الجديدة، وهو معنى الاسم بالفارسية (اليوم الجديد) فيما تعني الكلمة الأنهار لدى القبط، نسبة إلى موسم فيضان النيل، الذي كان عصب الحضارات المصرية، وهو يرمز لانتصار الخير على الشر، والفرح على الحزن.
غير أن للقبط سببا آخر مختلفا للاحتفال بهذا اليوم، فهم يعتبرونه أيضا عيد الشهداء، حيث اعتلى طاغية في عام 284 الميلادية عرش الإمبراطورية الرومانية فأثخن قتلا بأنصار الدين الجديد حينها فاستشهد المئات، ليس في مصر وحدها، بل في أرجاء الإمبراطورية، وهو ما يذكّر، للأسف، بأحوال الأمهات العربيات، والفلسطينيات منهن على وجه الخصوص، اللاتي تسود في حيواتهن هاته الأيام أجواء الموت والاعتقال والعذاب.
نشرت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، أمس، إحصائية كشفت فيها استشهاد تسعة آلاف و220 امرأة منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وكذلك استشهاد قرابة 14 ألف طفل، وهو ما يعني أن آلاف النساء فقدن أطفالهن خلال هذه الحرب، وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم العربي بعيد الأم، أكدت الجمعية استشهاد 37 امرأة كل يوم منذ بدء العدوان.
كما نشرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني بيانا يكشف وجود 28 معتقلة في السجون الإسرائيلية من الأمهات، كما يكشف البيان حجم القمع الذي تتعرض له الأمهات الفلسطينيات داخل سجون الاحتلال، حيث يحرمن من رؤية عائلاتهن، وبينهن أمهات أسرى وزوجات أسرى وشقيقات أسرى وشهداء، وأسيرات سابقات، وبينهن أسيرة أم شهيد، وأخرى جريحة.
تشكل الإناث ما نسبته 49٪ من إجمالي سكان فلسطين، بواقع مليون وستمئة وثلاثين ألف أنثى في الضفة الغربية، ومليون ومئة وثلاثين ألف أنثى في قطاع غزة، وقد شكل النساء والأطفال ما نسبته 70٪ من المفقودين في غزة، فيما شكلت الإناث ما نسبته 75٪ من الجرحى.
تعبّر هذه الأرقام عن المأساة الكبيرة التي يعاني منها، بشكل كبير، فلسطينيو غزة، كما يعبّر العنف الإسرائيلي الهائل المتقصد ضد الإناث، معنى إسرائيل الحقيقي بجمعها شرور الاحتلال والاستيطان والاستبداد، وباستهدافها رمز الحياة الفلسطينية: أجمل الأمهات.
رأي القدس
2024-03-23