أثيوبيا تقترب من الجرف والاحتمالات تفتح شهيتها.. فمن الذي أحرق بيوت الله في أثيوبيا!

بقلم بكر السباتين..
خرجت مظاهرات ضخمة في الأقاليم الأثيوبية ذات الأغلبية الإسلامية من ذوي العرقية الأرومية، احتجاجاً على حرق أربعة مساجد في إقليم الشمال المجاور لإريتريا، واشتعلت المواجهات بين المسلمين والمسيحيين الأرثوذوكس على خلفية ما يقال أنه استهداف كنيسة مسيحية في الإقليم الأثيوبي الشمالي بالحرق من قبل المسلمين الذين نفوا ذلك بشدة وطالبوا بالتحقيق مباشرة، لكن المسيحيين من الأمهرة والتيغارا انتقموا بحرق أربعة مساجد في الإقليم الشمالي، واستهدفوا ممتلكات المسلمين وعمت الفوضى دون تدخل حكومي أمني يناسب حجم الأزمة المتفاقمة بين الطائفتين.
وفي سياق تاريخي فإن إقليم الشمال الأثيوبي الذي يضم مجرى النيل الأزرق الأثيوبي، وخاصة سد النهضة، دخل إلى مكوناته العرقية والطائفية، الأثيوبيون الأمهرة ذوي الغالبية المسيحية الأرثوذكسية الذين فرّوا عام 1991من إقليم الأمهرة (الحبشة التاريخية) بعد سقوط جبهة تحرير التيغرا التي قادت حركة تمرد، ما أنهى سيطرة عرقية التيغرا منهية بدورها سيطرة عرقية الأمهرة التي حكمت أثيوبيا لعقود والتي تشكل نسبة 25% من السكان وتعيش شمال البلاد. ومن أبرز السياسيين الذين ينتمون إليها الإمبراطور هايلي سيلاسي وقبله الأمبراطور مينليك.
حيث كانت تتجذر في إقليم الأمهرة، الدولة الأثيوبية العميقة الحاكمة والتي ينخرها الفساد.. على حساب العرقية الأرومية ذات الأغلبية المسلمة والتي ما زالت تعاني من التهميش برغم أنها العرقية الأكثر عددا. وينتشر أفراد هذه القومية جنوب غرب البلاد وتشكل 60 % من سكان أثيوبيا البالغ عددهم مائة مليون نسمة.
ورغم لجوء كثير من الأمهرة إلى الإقليم الشمالي الذي شهد حوادث الحرق، إلا أن هذا الإقليم ظل يحمل الطابع المسيحي الأرثوذكسي بحكم الغالبية المسيحية الأرثوذكسية التي تسكنه إلى جانب أقلية مسلمة منقوصة الحقوق.. وعادت كما يبدو جذور الدولة العميقة لتنموا في الإقليم الشمالي (أقسوم) المحاذي لإريتريا، وعلى نفس الأسس السابقة التي كانت متغلغلة في إقليم الأمهرة.. فمنذ عام 1991 عندما تولى ملس زيناوي زعامة البلاد ظلت قومية التيغرا تسيطر على المناصب الحكومية والعسكرية المهمة، وتشرف كوادرها على بناء سد النهضة، رغم أنها لا تشكل سوى 6.1% من تعداد السكان.
من هنا أصبح هذا الإقليم يمثل الطبقة الغنية والمتنفذة في عموم أثيوبيا بعد أن هيأ البيئة الصالحة لاستنبات جذور الدولة الأثيوبية العميقة من جديد، التي تستحوذ على مقدرات البلاد، والجيش والأجهزة الأمنية، وتدير سياسة البلاد الداخلية والخارجية بما في ذلك العلاقة المتجذرة مع الكيان الإسرائيلي وداعم سد النهضة الأساسي.
ولو أبدت الحكومة الأثيوبية جدية في التحقيق لتوصلت إلى الفاعل الحقيقي في حادثة حرق الكنيسة التي أشعلت النار في الهشيم؛ لدرء انتشار الفتنة الطائفية التي من الممكن أن تغرق البلاد في الدم.. علماً بأن الدلائل الأولية تشير إلى أنه من الممكن أن تكون الأسباب غير مقصودة، ولم يصدر عن أية جهة إرهابية ما يثبت خلاف ذلك كما هو معتاد..
ولا استبعد في سياق متصل اتهام جبهة تحرير التيغرا التي تسعي لانفصال إقليم الشمال عن أثيوبيا حيث تعتبر أن سد النهضة هو ملك للتيغرا..
ونتذكر كيف أنه في شهر يونيو من عام 2018 اندلعت محاولة انقلاب فاشلة في مقاطعة أمهرة الشمالية لتتسبب في مقتل رئيس المقاطعة وقائد الجيش الأثيوبي. وطالب الوطنيون الذين ينتمون لعرقية الأمهرة بالاستحواذ على الأرض التي يقام عليها سد النهضة.
وقد تنبأ نيجا مؤسس جبهة تحرير التيغرا التي قادت حركة تمرد عام 1991ببلقنة أثيوبيا إذا لم يتحقق وضع دستور للبلاد.. لا بل وحذر الزعيم الأمهري آبي في خطاب أمام البرلمان الأثيوبي من اندلاع محاولة انقلاب أخرى في مقاطعة بنشانجول- جوموز المجاورة لسد النهضة.
ويبقى السؤال مطروحاً فيمن تكون الجهة التي أشعلت الفتيل من خلال حرق الكنيسة! ألا يبتغي الفاعل من إثارة الفتن الطائفية تفكيك الأقاليم وبالتالي تحقيق الأهداف الانفصالية لجبهة تحرير التيغرا (على سبيل الافتراض).. فربما فعلياً تكون هي الجهة التي تريد إدخال مسلمي أثيوبيا في دائرة الانتقام لإضعاف موقفهم الذي ينادي بالعدالة في بلد لا يحكمه الدستور، في ظل دولة عميقة ينخرها الفساد.
27 ديسمبر 2019