أبعاد «طوفان الأقصى» في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي: جدلية «التعطيل الاستراتيجي» والمآل التاريخي!
غانية ملحيس*
ملخص تنفيذي
تطرح هذه الورقة قراءة استراتيجية ونقدية لحدث «طوفان الأقصى» (7 تشرين الأول / أكتوبر 2023) عبر منهج التحليل التاريخي الجدلي والجغرافيا السياسية، لتصوغ توصيفا لتداعياته بعيدا عن التهليل الأيديولوجي أو الجلد الذاتي.
وتتحدد الأطروحة المركزية للورقة في أن القيمة التاريخية للحدث لا تُقاس بآثاره العسكرية المباشرة فحسب، بل في قدرته على إحداث «تعطيل استراتيجي» لمسار إقليمي كان يتجه لتجاوز القضية الفلسطينية عبر «اتفاقيات أبراهام»، ومبادرات الدمج الاقتصادي والأمني (IMEC وI2U2) والتطبيع الإقليمي، واختزال الحقوق الوطنية في إدارة سكانية وإغاثية.
ولا تتجاهل الورقة الكلفة البشرية والعمرانية والمجتمعية الهائلة لحرب الابادة التي أعقبته، وتضعها أمام «الكلفة البديلة» لاستمرار مسار ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر؛ حيث كان يهدد بضياع تدريجي للأرض عبر التوسع الاستيطاني، وتفكيك المجال الجغرافي الفلسطيني، وتصفية قضية اللاجئين.
واستنادا إلى دروس التاريخ (كالاستعمار الفرنجي والهزيمة النازية)، توضح الورقة أن التفوق المادي للمشروع الاستيطاني الإحلالي لا يضمن استقراره الوجودي، وأن المواجهة أحدثت ضغوطا متقابلة على شروط إعادة إنتاج المشروع الصهيوني ذاته عبر ضرب صورة «الملاذ الآمن»، وانهاء التماهي التلقائي بين اليهودية كهوية دينية وثقافية وبين الصهيونية السياسية ، وتآكل الحصانة والشرعية الدولية لإسرائيل أمام المحاكم الدولية والرأي العام العالمي.
وتخلص الورقة إلى أن «التعطيل الاستراتيجي» كسرٌ لمسار قائم وليس حسما عسكريا أو صناعة سريعة للمآل؛ إذ يظل «المآل التاريخي» مرهونا بقدرة الفاعل الفلسطيني والإقليمي على تحويل هذه الصدمة الاستراتيجية، وكلفة التضحيات الباهظة إلى مشروع سياسي مستدام يغير الاتجاه النهائي للصراع.
المقال الكامل: أبعاد «طوفان الأقصى» في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي: جدلية «التعطيل الاستراتيجي» والمآل التاريخي
تتصل هذه الورقة باللحظة التاريخية الفاصلة التي تلت حدث «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتصوغ قراءة استراتيجية ونقدية متكاملة ترفض التبسيط الاختزالي، سواء بالتهليل الأيديولوجي السطحي أو بالجلد الذاتي النفعي.
وتعتمد الورقة منهج التحليل التاريخي الجدلي، والجغرافيا السياسية للربط بين الفعل المحلي والمجال الإقليمي، وبين منطق التاريخ في تفكيك البنى الاستعمارية وبين الكلفة البشرية والعمرانية والمجتمعية الواقعة على الحاضنة الشعبية.
وتنطلق الورقة من فكرة مركزية مفادها أن قيمة الحدث لا تُقاس بآثاره العسكرية المباشرة فحسب، بل بما أحدثه من تعطيل استراتيجي لمسارات إقليمية قائمة، وما كشفه من تناقضات بنيوية في المشروع الامبريالي الصهيوني.
غير أن القدرة على التعطيل لا تعني حسم الصراع تلقائيا؛ ومن هنا تؤطّر الورقة مفهوم «المآل التاريخي» ليس بوصفه نتيجة عسكرية فورية، وإنما بوصفه الاتجاه الذي يستقر عليه الصراع بعد تفاعل الصدمة مع الزمن، والموارد، والمؤسسات، والديموغرافيا، والقدرة على إعادة إنتاج المجتمع والمشروع السياسي، مما يجعل تحويل التعطيل إلى مسار مستدام هو السؤال الاستراتيجي الأهم.
أولاً: التوصيف الاستراتيجي: من «حرق المراحل» إلى «التعطيل الاستراتيجي»
تتحدد خطوة إعادة فهم طبيعة الحدث عبر تجاوز فرضية أن «طوفان الأقصى» كان محاولة قسرية لحسم الصراع بضربة واحدة مفاجئة، أي «حرق المراحل». إذ تظهر القراءة الأوسع أن العملية جاءت، في أحد أهم آثارها الاستراتيجية، كـ «ضربة استباقية» أحدثت تعطيلا استراتيجيا لمسار إقليمي كان يتجه إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط، بما يسمح بتجاوز القضية الفلسطينية أو خفض مركزيتها السياسية.
ولا يعني هذا الادعاء بأن العملية أوقفت مسارا اكتمل، أو حسمت نتائجها اتجاه الإقليم، بل إنها كسرت سياقا كان يتقدم بثبات، وأجبرت الأطراف الإقليمية والدولية على إعادة إدخال العامل الفلسطيني في حساباتها لإعادة الهندسة الإقليمية.
وهنا ينبغي التمييز بين «النية» و«الأثر»: فليس شرطا لإثبات التعطيل أن تكون كل مفاعيله قد صيغت مسبقا في خطة مكتملة؛ بل يكفي أن يكون الحدث قد أصاب مسارا إقليميا قائما، وأجبر أطرافه على إعادة ترتيب أولوياتهم. ومن ثمّ، يمثل «التعطيل الاستراتيجي» توصيفا لأثر تاريخي وسياسي واقعي، لا ادعاء بالإحاطة الكاملة بدوافع صانعي القرار أو نتائجهم المبتغاة مسبقا.
ثانياً: المسار الإقليمي السابق للسابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023
1. التصفية بالتجاوز الجيوسياسي
إعادة هندسة الشرق الأوسط بتجاوز القضية الفلسطينية عبر «اتفاقيات أبراهام»، وإدماج الكيان الصهيوني بصورة متزايدة في بنية أمنية واقتصادية وتكنولوجية إقليمية ودولية. ولم يقتصر هذا المسار على علاقات التطبيع الثنائية، بل تطور عبر أطر متعددة وارتبط للتعاون في البنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا مثل: «منتدى النقب» المعلن عنه في آذار/ مارس 2022 بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، ومصر، والإمارات، والبحرين، والمغرب. ومجموعة التعاون الاقتصادي الحكومي الدولي « I2U2» تضم الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة. متداخلا مع مشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC).
وتكمن أهمية هذه المسارات في حركتها الجماعية نحو اتجاه واحد: بناء شبكة من المصالح والاتصالات الاقتصادية والاستراتيجية تجعل إسرائيل جزءا عضويا من البنية الإقليمية الجديدة، مع إبقاء القضية الفلسطينية خارج الترتيبات الأساسية دون تسوية سياسية.
وقد عبّرت الولايات المتحدة قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر بصورة صريحة عن هدف تعميق هذا الاندماج الإقليمي وربطه بمبادرات اقتصادية وأمنية أوسع، بالتوازي مع تحرك مسار التطبيع السعودي – الإسرائيلي، بما يكرّس تصور إقليم يتقدم فيه التطبيع والاندماج الأمني والاقتصادي من دون تسوية فلسطينية موازية.
2. تقويض الحقوق الوطنية
اختزال الحق الفلسطيني في شواغل إغاثية وتسهيلات اقتصادية وتنسيق أمني، محاطا بموت بطيء وتطهير صامت في فلسطين الانتدابية (الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق العام 1948)، والخطر في هذا المسار لا يكمن فقط في رفض الحقوق الفلسطينية، لإعادة تعريف القضية من حق سياسي ووطني إلى مشكلة معيشية وأمنية قابلة للإدارة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 هذا البعد الاستيطاني عبر ربط سياسات الضم والتوسع بتجزئة الإقليم الفلسطيني وتغيير تركيبته الديموغرافية، وإعاقة حقه في تقرير المصير.
3. تصفية قضية اللاجئين
إعادة تعريف اللاجئ قانونيا وسياسيا، باختزال أكثر من 7 ملايين لاجئ إلى بضعة آلاف تقتصر على الأحياء الذين لجؤوا عام 1948، ومحاولة اختزال القضية إلى ملف إنساني، بالتوازي مع تفكيك المخيمات ماديا وسياسيا، وإضعاف الأونروا. وهنا تتجاوز المسألة مصير مؤسسة دولية بعينها لتطال أحد المكونات المؤسسة للهوية السياسية الفلسطينية: حق اللاجئ في أن يبقى جزءا من قضية وطنية، وليس مجرد مستفيد من برنامج إغاثي.
4. إرساء «السلام الاقتصادي»
تغطية إمبريالية تقودها الولايات المتحدة يربط الإقليم بشبكات اقتصادية واستراتيجية تدمجه اقتصاديا وأمنيا بمعزل عن الحل السياسي.
ومن هذا المنظور، أدى «طوفان الأقصى» إلى كسر منطق التجاوز السياسي للقضية الفلسطينية وإعادة إدخالها كفاعل غير قابل للتجاوز غير الحسابات الإقليمية والدولية. مبرهنا على أن تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني لا ينهي الصراع، بل يفجره في صورة أشد عنفا واتساعا.
ثالثاً: بين كلفة المواجهة وكلفة غيابها، أزمة المسار التحرري
لا يمكن قراءة الكلفة البشرية والعمرانية الباهظة التي تكبدها الشعب الفلسطيني بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر بمعزل عن المسار التاريخي السابق للمواجهة. فالمأساة لم تكن نتاج الاختلال العسكري اللحظي فحسب، بل جاءت تتويجا لعقود من تآكل القدرة التحررية، وإعادة تعريف وظيفة الحركة الوطنية؛ من مشروع يهدف لهزيمة المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين، إلى مشروع قبل بالمهادنة وتقاسم المجال، ثم إدارة السكان الفلسطينيين تحت الاحتلال.
بدأ هذا التحول مع البرنامج المرحلي لمنظمة التحريرالفلسطينية عام 1974، وترسخ في القبول بقرارات مجلس الأمن 242 و338، وإعلان الاستقلال عام 1988 ، وصولا إلى اتفاق أوسلو عام 1993، الذي أنشأ سلطة فلسطينية انتقالية للحكم الذاتي في الضفة
للمزيد أضغط على الرابط
8/10/2026