أبعاد زيارة الرئيس الجزائري للصين بعد زيارته موسكو!

هدى رزق
زيارة تبون إلى الصين هي الزيارة الأولى لرئيس جزائري لبكين منذ عام 2008، وهي تأتي في إطار العمل على تطوير الاتفاقية الموقّعة بينهما عام 2014، وتحديثها، وفي ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية.
تعود العلاقة الصينية الجزائرية إلى فترة النضال الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، بحيث قدمت إليها الصين المساعدة. وعندما استقلت عام 1962 أرسلت الصين فريق المساعدة الطبية الأول إلى الدولة الواقعة في شمال أفريقيا.
وفي عام 2020، بعد نحو 60 عاماً، وصلت اللقاحات والمواد الضرورية من الصين إلى الجزائر لمكافحة جائحة كورونا، حيث كان يوجد أكثر من 90 ألف عامل صيني. لذلك، تأتي الزيارة التي يقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للصين استكمالاً للعلاقات المميزة بين الطرفين.
إلّا أنها كانت الزيارة الأولى لرئيس جزائري لبكين منذ عام 2008، وهي تأتي في إطار العمل على تطوير الاتفاقية الموقّعة بينهما عام 2014، وتحديثها، وفي ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية وإعادة النظر في مسار السياسة العالمية على إثر الحرب الروسية الأوكرانية.
تُشكل الزيارة للصين توجهاً استراتيجياً جزائرياً للشرق بعد الزيارة لروسيا، من أجل تأكيد استقلالية السياسة الجزائرية الخارجية والبحث عن شراكات جديدة تضاف إلى التعاون العسكري المستمر وترويج البلاد استثمارياً.
تسعى الجزائر إذاً لتنويع علاقاتها ومحاولة فك حصرية العلاقة بالغرب، والموازنة في علاقاتها الخارجية بين الشرق والغرب في ظل المتغيرات الدولية. أمّا السياستان الروسية والصينية فستكسبان بُعداً أكبر في العمق الأفريقي من خلال تعميق العلاقة بالجزائر. فما طبيعة العلاقة بالصين، وما أولويات الجزائر من خلال هذه العلاقة؟
تسعى الجزائر في مسارها للانضمام إلى مجموعة “بريكس” كمجال حيوي يساهم في تعددية الخيارات الاقتصادية، وهدا ما صرح به الرئيس الجزائري في إبّان زيارته موسكو، ساعياً لفضّ ارتباط الجزائر باليورو والدولار، ومحاولاً تقوية عملة بلاده المحلية. تَعُدّ الجزائر كلاً من الصين وروسيا الأكثر تأثيراً داخل البريكس، وهو التكتل الاقتصادي، الذي تطمح إلى الانضمام إليه خلال القمة التي ستُعقد في جنوب أفريقيا، في آب/أغسطس المقبل.
أولوية الاقتصاد والأمن الاقليمي بالنسبة إلى الجزائر
تعكس الاتفاقيات التي وقعتها الجزائر مع الصين واقع التوجهات نحو الشرق، ويأتي البعد الاقتصادي في مقدمة العلاقة الثنائية بين البلدين، بعد أن وقّعت الجزائر مع الصين في كانون الأول/ديسمبر 2022 “الخطة التنفيذية للبناء المشترك لمبادرة الحزام والطريق”، و”الخطة الثلاثية للتعاون في المجالات المهمة 2022-2024″، وهي خطط استراتيجية، عدا عن مشروع “ميناء الجزائر وسط”، واستغلال منجم “غاز جبيلات” الواقع في تندوف جنوبي الجزائر.
تعكس هذه الاتفاقيات تطلعات الجزائر الاستراتيجية في ظل التحول في سياستها الخارجية، ومحاولتها إيجاد شركاء استراتيجيين، وتريد إعادة تموضعها إقليمياً ودولياً واستعادة مكانتها وملء الفراغ الأمني في منطقة الساحل والصحراء بدعم من قوى عالمية، ولا سيما تلك المنخرطة في المشهد الأفريقي، اقتصادياً وعسكرياً.
تأتي الزيارة في ظل التركيز الغربي، أميركياً وأوروبياً، على العلاقة بالمغرب والصفقات العسكرية مع “إسرائيل”، فيما يتعلق بالطائرات المسيرة لتصفية القضية الصحراوية عسكرياً، بعد اعتراف نتنياهو بالصحراء الغربية، الأمر الذي يعكس موازين قوى ليست في مصلحة الجزائر. من أجل دلك تسعى لتدعيم موقفها عبر دول قوية فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، وتأتي صفقات التسليح مع موسكو، والصفقة العسكرية مع الصين، من أجل شراء الطائرات المسيّرة واستقدام التكنولوجيا العسكرية الصينية إلى الجزائر، من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية المحلية، والتصنيع العسكري، بالتعاون مع الصين.
وفي ظل الانفتاح الطاقوي على الصين، قامت شركة النفط والغاز الحكومية، سوناطراك، بتوقيع عقد مع شركة ” وانهو كيميكال” الصينية في أيار/مايو 2023 لتصدير الغاز المسال إلى الصين من اجل تعزيز أمنها الاقتصادي. الانخراط الآمن في مجال الطاقة، بالإضافة إلى الاتفاق مع شركة “سينوبك” الصينية، لمدة خمسة وعشرين عاماً، لإنتاج مشترك للنفط بقيمة 490 مليون دولار، للتنقيب عن النفط في مناطق محددة في الجزائر، أمر يعطي الجزائر الثقة بقدراتها الاقتصادية.
المصلحة الصينية تعزيز التعاون
عززت الصين وجودها في المغرب العربي والساحل والصحراء، عقب خطط سحب القوات الأجنبية المشاركة في عمليات حفظ السلام في الساحل والصحراء، الأمر الذي يتيح لها إعادة مراجعة لخطة عملها في أفريقيا والاعتماد على منهج جديد لأمن أفريقيا، سواء عبر الوجود عسكرياً، أو عبر شركات الأمن الخاصة لتأمين خططها الاستثمارية في هذه الدول، على نحو يمكّنها من أن تشكل تحالفاً أفريقياً صينياً يدعم مصالحها الاستراتيجية، بحيث يشكل الفراغ فرصة في إعادة تموضع الصين عسكرياً من اجل تعاظم نفوذها أفريقياً.
وهذا يتطلب من الجزائر توسيع تعاونها العسكري والتنسيق مع الصين للحصول على التكنولوجيا لمواجهة المخاطر الأمنية المحتملة على خط التماس مع منطقة الساحل والصحراء، وموازنة التحركات المغربية الإسرائيلية في هذا النطاق.
مخرجات زيارة موسكو
تعيد الحرب الروسية الأوكرانية ترتيب وضع القوى العالمية (عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً). فالعلاقات الجزائرية الغربية تشهد أزمات وتناقضات، سواء حيال قضية الصحراء الغربية أو على صعيد الحرب الروسية الأوكرانية. فالموقف الجزائري غير محابٍ للغرب، بل تأخذ منه الجزائر مسافة. وجاءت صفقة التسليح مع روسيا لتعمق العلاقة بموسكو، وهي علاقة تاريخية تعود إلى 60 عاماً. وكانت زيارة تبون لموسكو جاءت لتأكيد استقلال سياسة الجزائر الخارجية والبحث عن شراكات جديدة تضاف إلى التعاون العسكري المستمرّ بين البلدين، بحيث أكد تبون أن الجزائر شريك أساسي لروسيا في العالم العربي وأفريقيا، ووقع “إعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة بين البلدين”.
تُعَدّ الجزائر ثالث مستورد للسلاح الروسي بعد الهند والصين، بينما تُعَدّ موسكو أول ممول للجيش الجزائري بالأسلحة والأنظمة الحربية بنسبة تفوق 50 في المئة. وأدّت سياسة الجزائر تجاه موسكو إلى مناداة الكونغرس الأميركي بتطبيق قانون “معاداة أميركا” على الجزائر، ومطالبة نحو 17 نائباً من البرلمان الأوروبي بمراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر، في ظل الصراع الذي يأخذ طابعاً عدائياً يؤدي إلى نشوء محاور.
تسعى الدبلوماسية الجزائرية لتعزيز حضورها الدولي، وتستهدف بصورة كبيرة فتح شراكات متعددة، مع روسيا والصين، مستندة في ذلك إلى توظيف ورقة الطاقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى انحسار الشراكات الاقتصادية الأوروبية والأميركية مع الجزائر، ويعزّز حضورها شرقاً.
2023-07-22