أبسط دروس السِّياسة..!
سعود قبيلات
من المؤكَّدِ أنَّ المشاركينَ في أُسطول الصُّمود لم يكونوا سُذَّجَ ليتوقَّعوا أنَّ الكيان الغاصب سيسمح لهم بإيصال المساعدات إلى أهل غزَّة المنكوبين بالاحتلال وبآلته الحربيّة الهمجيَّة؛ لكنَّهم أرادوا أنْ يقوموا بتظاهرة عالميَّة كُبرى، ضدَّ مسلسل القتل والتَّدمير المتواصل..
هذه التَّظاهرة، أدَّتْ دورها، بقوّة؛ فزادت من انكشاف العدوّ الصّهيونيّ أمام شعوب العالم كُلِّها..
ومن المؤكَّد أنَّ «إسرائيل» تخسر، في هذا الجانب، خسارةً استراتيجيَّةً كُبرى لا يمكن تداركها أو تجنّب آثارها الخطيرة..
وثمَّة غرض آخر حقَّقته هذه التَّظاهرة ولم يكن في حسبان القائمين عليها والمشاركين فيها؛ ألا وهو إعادة الأمور إلى نصابِها في ما يخصّ الموقف ممّا يجري في غزَّة، بعدما حاولت مناورة دونالد ترامب الخبيثة حَرْفَ الأنظار عن الجريمة البشعة ضدّ الإنسانيَّة، الَّتي يرتكبها الكيان الصّهيونيّ يوميّاً أمام أنظار العالم كُلِّه، لتتركَّز على ردِّ حماس والمقاومة الفلسطينيَّة على تلك المناورة؛ فإذا وافقت عليها، فإنَّها تفتح الباب لتصفية القضيَّة الفلسطينيَّة برمّتها؛ وإذا رفضتها، فإنَّهم سيحمِّلونها مسؤوليَّة استمرار القتل والدَّمار!
الآن، أصبحت الأنظار مركَّزة على ما فعله جيش الاحتلال الصّهيونيّ بأسطول الصّمود والمشاركين فيه؛ الأمر الَّذي يواجَه بالإدانة والاستنكار في جميع أنحاء العالم.
وبالتَّأكيد، فإنَّ مناورة ترامب، تلك، ما كانت لتكون بهذه الخطورة لولا تأييد عدد من الدّول العربيَّة والإسلاميَّة لها (وفي مقدّمتها، تركيا).
هذا الموقف المخزي لتلك الدُّول العربيَّة والإسلاميَّة، منح تلك المناورة زخماً، ونوعاً من المشروعيَّة الشَّكليَّة، وسحب الغطاء عن المقاومة، ومنحه للعدوان المتواصل على غزَّة..
وأنا تعمَّدتُ الإشارة إلى تركيا، تحديداً، مِنْ بين تلك الدُّول؛ ليس لأنَّني متفاجئ بموقفها؛ بل لأنَّها، بخلاف الحقيقة، معدودة، لدى البعض، كحليف لحماس والمقاومة الفلسطينيَّة.
يُغمض هؤلاء عيونَهم عن كون تركيا دولة أطلسيَّة، وأنَّها (بالوقائع والأرقام) تحتفظ بأقوى العلاقات العسكريَّة والاقتصاديَّة مع الكيان الصّهيونيّ، بينما هي لا تمنح الفلسطينيين، بالمقابل، سوى الكلام.
الدُّول العربيَّة والإسلاميَّة الأخرى، الَّتي تورَّطتْ في تأييد مناورة ترامب، مدانةٌ، هي أيضاً، بالتَّأكيد؛ لكن الفرق، بينها وبين تركيا، هو أنَّه ما مِنْ أحد يبرِّر موقفَها أو يدافع عنها أو يعدّها مِنْ حلفاء المقاومة ومؤازريها.
ما لم نرَ الواقع كما هو فعلاً، ونرسم مواقفَنا على أساسِه بدقّة، فسيظلُّ حالُنا ينحدر مِنْ سيِّئٍ إلى أسوأ..
أوَّل دروس السِّياسة هو أنْ نعرف مَنْ يقف في خندقنا فعلاً، ومَنْ يقف في الخندق الآخر، وأنْ لا نسمح وسائل تزييف الوعي وأساليبه بأنْ تجرفنا معها.
2025-10-03