ميناء غُربة الروح – الدنمارك!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
وصلتُ إلى الدنمارك بصحبة أسرتي لاجئًا، بعد أن حصلنا على تأشيرة الدخول، وقُبلت طلبات لجوئنا عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كان ذلك في كانون الثاني/يناير من عام 2002، يومًا فاصلاً في معنى الزمن لديّ، لا لأنه نقلني من بلدٍ إلى بلد، بل لأنه نقلني من حياةٍ إلى حياة، ومن هويةٍ مطاردة إلى هويةٍ تبحث عن تعريفٍ جديد لذاتها.
كنتُ قد تجاوزتُ الخمسين عامًا بقليل، أحمل عمري بأكمله على ظهري كما يحمل المسافر حقيبته الأخيرة. لم تكن الغربة غريبةً عليّ، فقد خبرتُها في محطاتٍ سابقة من حياتي، غير أن هذه الغربة كانت مختلفة؛ نهائية المعنى، طويلة الأمد، وتفرض على صاحبها أن يُعيد بناء نفسه دون أوهامٍ قريبةٍ بالعودة.
استقبلتنا الدنمارك بشتائها القاسي، بردِها الأبيض الذي ينفذ إلى العظام كما تنفذ الأسئلة الوجودية إلى الروح: من نحن هنا؟ وماذا سنكون؟ لم تكن الصعوبة في الطقس وحده، بل في التفاصيل اليومية الصغيرة: لغةٌ لا نعرفها، قوانين صارمة، نظام اجتماعي دقيق، وشعور داخلي بأنك تقف خارج المشهد، تراقبه أكثر مما تشارك فيه.
غير أن هذا البلد، رغم قسوته الأولى، منحنا أثمن ما يمكن أن يُمنح لإنسانٍ قادم من المطاردة: الأمان. لأول مرة منذ سنوات طويلة نمنا دون خوف من طرقات الليل، أو وشايات العيون، أو مفاجآت السلطة. كان الأمان أساس كل شيء لاحق، ومنه بدأتُ إعادة بناء حياتي من جديد.
لم تكن البداية سهلة. لم تعترف سوق العمل بماضينا الأكاديمي الطويل، ولم تكن الشهادات القادمة من جغرافيا المنفى ذات وزنٍ يُعتدّ به. دخلتُ سوق العمل من بواباتٍ لم أتخيّل يومًا أنني سأعبرها. عملتُ أعمالًا قاسية، وتحمّلتُ مشقاتٍ لم أعهدها في حياتي السابقة، غير أنني كنتُ أعود كل مساء بشعور داخلي واضح:
ما دمتُ أعمل، فأنا لم أسقط.
أما اللغة، فكانت امتحاني الأكبر. جلستُ على مقاعد الدراسة من جديد، تلميذًا بعد أن كنتُ أستاذًا. تهجّيتُ الحروف كما يتهجّاها طفلٌ في بداياته الأولى. كان ذلك صراعًا مريرًا بين كبرياء الماضي وضرورة الحاضر، بين ما كنتُ وما يجب أن أكون عليه كي أعيش. ومع كل كلمةٍ أتعلمها، كنتُ أستعيد جزءًا من صوتي، وجزءًا من حقي في التعبير عن نفسي داخل هذا العالم الجديد.
في خضم هذا الركض اليومي وراء لقمة العيش وإثبات الوجود، كان العراق حاضرًا في داخلي حضورًا لا يهدأ. لم يكن وطنًا بعيدًا فحسب، بل كان رفيقًا دائمًا في التفاصيل: في رائحة الخبز، في نبرة صوتٍ مألوفة، في أغنيةٍ قديمة، في صورةٍ خاطفة تعبر الذاكرة دون استئذان. كنتُ أعيش بوطنين في آنٍ واحد: وطنٍ يسكنني، ووطنٍ أتعلم السكن فيه.
ومع مرور السنوات، لم تعد الدنمارك مجرد محطة لجوء، بل أصبحت فضاء حياةٍ كاملة. دخل الأبناء مدارسها، وتشكّلت هوياتهم على تخوم لغتين وثقافتين، وصرتُ أتعلم أنا أيضًا كيف أكون أبًا في سياقٍ اجتماعي جديد، لا يشبه ما عرفته في بلادي الأولى.
وحين مُنحتُ الجنسية الدنماركية، لم أشعر بالقطيعة مع جذوري، بل بثقل الإضافة. لم أتخلَّ عن اسمي ولا عن انتمائي الأول، لكنني أضفتُ إلى قدري انتماءً جديدًا، ومسؤوليةً جديدة تجاه بلدٍ لم أولد فيه، لكنه منحني حق الحياة بكرامة حين ضاقت بي أوطان الأرض.
الدنمارك لم تكن جنة، كما لم يكن المنفى جحيمًا خالصًا. كانت تجربةً مركّبة، قاسية وكريمة في آنٍ واحد. علّمتني أن الإنسان قادر على إعادة خلق نفسه مهما بلغ به العمر، وأن الهزائم لا تكون نهائية إلا حين نستسلم لها.
هنا، في هذا «الميناء»، لم أرْسُ لأستريح، بل لأبدأ رحلةً داخليةً أطول:
رحلة المصالحة مع العمر،
ومع الخسارات،
ومع الوطن،
ومع الذات.
لقد صار المنفى مرآةً كاشفة لحقيقتي الإنسانية، وفضاءً لاختبار قدرتي على الصمود.
قصيدة قصيرة
في ميناءٍ لا يعرف اسمي
أنزلُ حقائبي
وأعلّق عمري على مسمار الانتظار
أقول للريح: تمهّلي
فهذا القلب قادمٌ من حروبٍ لا تُرى
أزرع في الثلج كفّي
فتنبتُ غربةٌ
وتنبتُ شجرةُ صبرٍ لا تميل.
بيت نثر
المنفى ليس مكانًا نصل إليه،
بل حالةٌ طويلة نمشي فيها ما تبقّى من أعمارنا؛
فيه نصنع من التعب سيرة،
ومن الغربة وطنًا مؤقتًا،
ومن الأمل سببًا آخر للبقاء.
2025-12-08
تعليق واحد
أجدت واحسنت في التعبير بأسلوب رشيق وشيق وكانك تعبر عن ملايين الغرباء من العراقيين بشل خاص.
بارك الله فيك حضرة البروفيسور الحيالي الغالي.