موقف الحزب الشيوعي العراقي من الدين: قراءة تحليلية محايدة!

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
مقدمة:
يتعرض الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه عام 1934 إلى حملة مستمرة من التشويه، غالبًا ما ترتكز على اتهامه بعداء الدين أو الترويج للإلحاد. ولأن إنصاف الحقيقة واجب أخلاقي، خصوصًا تجاه حزب قدّم آلاف الشهداء من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، فإن من الضروري تحليل موقف الحزب من الدين بموضوعية، بعيدًا عن التهويل الأيديولوجي أو التبسيط الشعبوي.
أولاً: الدين في المرجعية الفكرية الماركسية
يستند الحزب الشيوعي العراقي إلى مرجعية ماركسية، تُقدِّم تحليلًا مادّيًا للتاريخ، بما في ذلك الدين. وقد أُسيء فهم مقولة ماركس الشهيرة بأن “الدين أفيون الشعوب”، إذ قُدّمت وكأنها دعوة لاضطهاد المتدينين أو محو الإيمان، بينما كان القصد نقد الظروف التي تجعل من الدين عزاءً للمقهورين، لا نقد الدين نفسه. الماركسية لا تنفي البعد الروحي في حياة الإنسان، لكنها ترفض استغلال الدين لتبرير الظلم الاجتماعي أو الحكم الثيوقراطي.
ثانيًا: خصوصية الواقع العراقي
العراق بلد متديّن بطبيعته، متنوع دينيًا ومذهبيًا، والمجتمع العراقي لا يمكن فهمه أو تغييره من دون احترام هذا المعطى البنيوي. وقد أدرك الحزب الشيوعي العراقي هذه الحقيقة، وتفاعل معها بمرونة سياسية وفكرية، بعيدة عن النزعة الصدامية. لم يكن يومًا حزبًا معاديًا للدين أو رافضًا للممارسة الدينية، بل نادى دومًا باحترام حرية الضمير والمعتقد.
ثالثًا: النصوص الرسمية وسلوك الحزب
منذ تأسيسه، لم يتبنَّ الحزب في أدبياته أو برامجه أي دعوة لإلغاء الدين. بل أكّد على:
• احترام جميع الأديان والمذاهب.
• دعم حرية ممارسة الشعائر.
• فصل الدين عن الدولة بما يضمن حيادية الدولة وعدالتها.
وقد تجسّد هذا الموقف في تحالفات الحزب السياسية، وتاريخه الوطني، وسلوك كوادره، الذين كثيرًا ما كانوا من خلفيات متدينة.
رابعًا: تفنيد الحملات المغرضة
إن اتهام الحزب بالإلحاد، أو بعدم احترام الدين، هو في الغالب أداة سياسية تُستخدم لتشويه سمعته أمام قواعده الاجتماعية من الكادحين والبسطاء، الذين يشكّل الوعي الديني جزءًا من ثقافتهم اليومية. والحقيقة أن:
• آلاف الشيوعيين نشأوا في بيوت متدينة.
• الحزب لم يقف يومًا ضد الدين، بل ضد استغلاله لأغراض سياسية أو طائفية.
• رجال دين متنورون وقفوا إلى جانب الشيوعيين في معارك وطنية ضد الاستبداد، واعتبروا الحزب حليفًا صادقًا للفقراء.
خامسًا: شراكة النضال بين المتدينين والشيوعيين
في لحظات التحول الكبرى، كوثبة كانون، وثورة 14 تموز، وانتفاضة تشرين، تلاقى الشيوعيون مع المتدينين الوطنيين على أرضية مقاومة الطغيان والدفاع عن حقوق الشعب. وهذه الشراكة النضالية تُفنِّد الروايات التي تصوّر العلاقة بين الدين والشيوعية وكأنها علاقة تناقض مطلق.
سادسًا: الدولة المدنية لا تعني العداء للدين
الحزب يدعو إلى دولة مدنية، وهذه الدعوة تُساء فهمها أحيانًا. فالدولة المدنية لا تعني دولة ملحدة، بل دولة محايدة، تحمي جميع الأديان وتكفل حرية المعتقد. وهي البديل الضروري عن الدولة الطائفية التي قسمت البلاد وأهدرت طاقاتها في صراعات عبثية.
خاتمة
إن تحليل موقف الحزب الشيوعي العراقي من الدين يبيّن بوضوح أنه موقف عقلاني، وطني، منسجم مع مبادئ الحرية وحقوق الإنسان. فالدين، في نظر الحزب، شأن شخصي، لا يجوز أن يُستغل لأغراض سياسية أو أيديولوجية. وإن تشويه هذا الموقف لا يخدم إلا أعداء الديمقراطية وأمراء الطوائف، ممن لا يتورعون عن استخدام المقدس لتكريس الاستبداد والتمييز.
إنصافًا للحقيقة، فإن الحزب الشيوعي العراقي لم يكن في صراع مع الدين، بل مع الجهل والاستغلال، ومع أولئك الذين اتخذوا من الدين وسيلة للسيطرة لا وسيلة للتحرر. ولذا فإن اتهامه بعداء الدين هو ظلم بيّن، هدفه صرف الأنظار عن نضاله الحقيقي من أجل العدالة والكرامة الإنسانية
2025-05-13