ماذا تعرف عن معركة إمبابة!
رنا علوان
بعض مؤرخو التاريخ أطلقوا على تلك المعركة اسم معركة إمبابة ، والبعض الأخر أطلق عليها اسم معركة الأهرامات ولعلها المعركة التي نالت الكثير من الإهتمام فيما يخص الإحتلال العسكري الفرنسي لمصر ، لإعتبارها المعركة الكبرى التي انتصر فيها نابليون انتصاره النهائي وبسط سيطرته بعدها على البلاد
وذلك بعد وصوله إلى مشارف الإسكندرية في 30 يونيو/حزيران 1798 بحملة مُكوَّنة من زُهاء 36 ألف جندي ، أتوا على متن اسطول مؤلف من 300 سفينة ، فضلاً عن أسطول مُكوَّن من 55 سفينة يحمل عتاد ومدفعية
حسب ما سُجّل في طيات التاريخ فإن نابليون استطاع الاستيلاء بسرعة على المدينة ، كونه لم يجد اي مقاومة تُذكر
ولم يكن يوجد بالمدينة حينها قوة عسكرية نظامية سوى فِرقة إنكشارية بلغ عددها زُهاء ال 500 مقاتل ، حيث قُتِل أثناء اختراق الفرنسيين لأسوار المدينة 300 جندي فرنسي
والجدير بالذكر أن الجنرال “بابتيست كليبر” ، الذي قتله سليمان الحلبي فيما بعد ، أُصيب بطلق أثناء الهجوم على الإسكندرية ، كما أن نابليون نفسه كاد أن يُقتل بعد دخول المدينة ، إذ حاول قناص مُسلِم قتله وأصاب حذاءه برصاصة
كان الجنرال “ماري رينيه سافاري” الذي حضر الهجوم على الإسكندرية يسخر من جهل المصريين الواضح بعِلم المدفعية والتعامل الفعَّال مع أسلحتهم
ولم يكن بالإسكندرية أثناء الاحتلال الفرنسي غير 4 مدافع صالحة للعمل ، وهو عدد قليل جدًا بالإضافة إلى كمية قليلة من البارود لم تكفِ للتعامل مع الأعداد الغفيرة لجنود الحملة الفرنسية
ولكن على الجانب الآخر ، فإن حضور المدافع المملوكية ، وحقيقة إصابة كليبر وإصابة قائد عسكري آخر هو “مينو” ثم إطلاق النار على نابليون ، تبين لنا بأن المشهد لم يكن كما صوَّرته بعض الروايات النمطية
وأن المصريين ، لم يكونوا مجرد جحافل من حَمَلة السيوف البدائية في مواجهة بنادق وطلقات نارية لم يسمعوا بها من قبل
في الواقع ، لم تكن أسلحة اهل مصر بدائية ، وسيتضح لنا هذا الأمر أكثر حين نعرف أنباء المعركة الحاسمة في إمبابة
فبعد اقتحام الفرنسيين مدينة الإسكندرية ، ذبحوا المدافعين عنها ممن اعتصموا في النهاية بأحد المساجد ، وبحسب الجنرال “جوزيف بوير” فقد ذُبِح الرجال والنساء وكبار السن وحتى الأطفال لمدة أربع ساعات متواصلة
وبمجرد التأكد من السيطرة التامة على المدينة ، أخذ نابليون رجاله في رحلة شاقة للغاية خلال الصيف دون راحة تُذكر ، متوجهًا جنوبًا إلى مدينة الجيزة كي يُتِم مهمته ، ومن ثمَّ وقعت معركته الثانية في شبراخيت يوم 13 يوليو/تموز 1789 مع قوة صغيرة من المماليك بقيادة مراد بك الذي شغل منصبًا مرموقًا في البلاد ، وهو المسؤول عن تنظيم رحلات الحج من مصر
وبحسب كتاب “تأملات عصرية فى الحملة الفرنسية” للكاتب محمد عرموش ، بأن المعركة السابق ذكرها كانت خير مثال على مستوى التدهور فى أحوال مصر وأحوال المماليك أنفسهم ، فرغم شجاعتهم وبسالتهم إلا أن الجهل والتخلف قد كان سائدًا ، حتى أنه فى بداية المعركة ظهر أحد الفرسان ، وكان ما يزال يتصور بقاء عصور الفروسية ، لينادى على جنود الحملة هل من مبارز ، قبل أن يسقط أرضًا بعدما أطلق عليه الفرنسيون الرصاص”
ويؤكد الكتاب أن المعركة التى تحمل اسم الأهرام أو إمبابة نظرًا لامتدادها ، بأن نابليون رأى طلائع قوات المماليك حتى أمر بتحرك فرق عسكرية على الاتجاهين ، فأمر مراد بك أيوب بك بالهجوم ، ما أدى الى وقوع المعركة الشهيرة ، والتى انتهت بتقهقر المماليك وقتل أيوب بك وفر مراد بك إلى الصعيد واستولى نابليون على إمبابة
وبعد أن أجرى نابليون إستطلاعه الأولي وجد أن جيش مراد بك يمتد من النيل إلى صحراء الأهرام حيث تظهر أهرام الجيزة في الأفق ، كما أنه وضع مدافعه القليلة العدد على جانبي قواته ليمنع الفرنسيين من الهجوم عبر الأطراف
فكانت خطة نابليون هي التظاهر [ بهجوم وهمي ] على المقدمة لتشتيت انتباه مراد بك لتقوم قواته بالاستيلاء على المدفعية المملوكية وحرمانهم منها ومن ثَّم الهجوم عليها عبر أجنحته
بينما كان مراد بك الذي يفكر بالإسلوب التقليدي ويحارب بالفطرة يعتقد أنه في حالة عدم قدرة الفرنسيين على الهجوم بالأجنحة ، فسيهاجمون بإسلوب المواجهة حيث يمكنه حينئذٍ صدّهم وبالتالي هزيمتهم ومطاردتهم في الصحراء
تطلع الفريقان بعضهم إلى بعض صبيحة يوم 21 يوليو 1798 م وخطب نابليون في قواته خطابًا شهيرًا حيث قال
[ تاريخ 40 قرنًا من الزمان يُتَطلّع إليكم من خلال هذه الأهرام ]
ولكن الواقع أن ما حدث للمماليك أمام نابليون هو ما حدث مع أكبر الجيوش الأوروبية أمامه أيضًا ، لقد ظلت شفرة التطور الكبير في التخطيط العسكري الفرنسي صعبة الفهم بالنسبة لأكبر الجيوش في العالم ، فحتى ذلك الوقت اعتادت الجيوش أن تتحرك كُتلة واحدة ، وهو تمامًا ما فعله المماليك
أما ما طوَّره الجيش الفرنسي فهو القدرة على تقسيم الجيش إلى فيالق متعددة يتحكم بها القائد وكأنه يلعب الشطرنج عبر التخطيط المُحكَم والانضباط الصارم
في هذا السياق ، أرَّخ كولونيل فرنسي من الذين شاركوا في الحرب على مصر قائلا ، إن الفرنسيين سرعان ما أدركوا أن الرجال الذين حاربوهم تمتَّعوا بشجاعة لا تُضاهى ، لكنهم لم يمتلكوا أي فكرة عن التحركات المشتركة والعمل الجماعي
وقد أوضح نابليون نفسه فيما بعد هذا الأمر ، وقال إن مملوكًا واحدًا أقوى من جنديَّيْن فرنسيَّيْن ، وإن 100 مملوك يكافئون 150 فرنسيًا ، بينما يمكن لـ300 فرنسي الانتصار على 300 مملوكي ، في حين يخسر 1500 مملوكي بسهولة أمام 1000 جندي فرنسي
إن ما قاله نابليون هنا هو عين الحقيقة ، فكلما زادت أعداد الجنود في الساحة باتت أهمية التنظيم أكبر بكثير من القدرات الفردية
ختامًا ، بعد قراءتنا للتاريخ ومحاولة استنباطه ، نجد كيف أن التلاعب والتزوير واضح للعيان وجلي ، ولعل صحة ما أقول يكمن في لوحة تحت عنوان “هجوم المماليك” للرسام الإسباني “فرانسيسكو دي غويا” عام 1814
إن لوحة مثل تلك تجعلنا نعيد النظر في تاريخنا العسكري ، فالمُعتقد السائد حتى عند الكثير من المثقفين العرب هو أن اللحظة التي احتل فيها نابليون الديار المصرية كانت لحظة ضعف تام للجيوش الإسلامية ، وأن المماليك حين حاربوا نابليون هُزِموا شرَّ هزيمة نظرًا لفارق القوة والعتاد بينهم وبين الجيش الفرنسي المتطور ، بيد أن ذلك الاعتقاد الشائع لا يتطابق مع الوقائع التاريخية في جوانب كثيرة منه ، فاللوحة تُجسد شجاعة هائلة كان قد تصدى لها نابليون في تلك المعركة
2023-05-17
