فريدريك إنجلز وعلاقته بالماركسية!

رنا علوان
يعتبر فريدريك إنجلز [أب نظرية الماركسية] بالإضافة إلى كارل ماركس نفسه
في عام 1845 ، نشر كتابه حالة الطبقة العاملة في إنكلترا اعتمادًا على ملاحظاته وأبحاثه الشخصية
وفي عام 1848 ، أصدر مع ماركس ، بيانهما المشهور والمعروف ببيان الحزب الشيوعي ، والذي يسمى اختصارًا البيان الشيوعي
فيما بعد ، ساعد كارل ماركس ماديًا من أجل أن يكتب هذا الأخير كتابه الرأسمال
وبعد وفاة ماركس ، نشر إنجلز الجزئين الثاني والثالث من هذا الكتاب
إضافة إلى ذلك ، نظم إنجلز مختلف تخمينات كارل ماركس ، مما أعطى الجزء الرابع من كتاب الرأسمال
تتخذ العديدُ من المجموعات [ ومن بينها فِرَقُ النشاط السياسي الماركسي من أتباع لينين وتروتسكي وماو تسي تونج ] التفسيرَ المادي للتاريخ معتقدًا أساسيًّا لها
والواقع أنه إذا كان هناك معيار واحد للتفرقة بين الماركسي وغير الماركسي ، فسيكون التفسيرُ المادي للتاريخ هو المنافِس الأقوى من بين هذه المعايير
ومع ذلك ، فإن مجرد قبول ذلك التصوُّر لن يجعل أيَّ شخص ماركسيًّا على نحو قوي للغاية ، (وعلى أي حال) ، فإن إلحاق وصف «ماركسي» بأي شخصٍ قد لا يخبرنا الكثير ، وهذا يرجع إلى عدم وجود تفسير موحَّد لهذه النظرة الشهيرة للتاريخ الذي يحظى باتفاق كل الماركسيين [ فالتفسير المادي للتاريخ يمثِّل مجموعةً من «الخلافات المشتركة»]
إذن لا يمكننا الحديث عن فلاسفة القرن الـ19 الميلادي ومفكريه دون أن نقف عند كارل ماركس ، بعد أن انتشرت أفكاره المعارضة للرأسمالية الغربية ، ووجدت من يتلقفها ليجعل منها المنطلق الفكري لتوجهاته الثورية ضد أنظمة الحكم الغربية الرأسمالية المتهمة بإحتكار الثروة والإنتاج على حساب الطبقة العاملة ، في قرن أوروبي انتقالي ، يموج بالتحولات والثورات والحروب ، وعمليات البناء السياسي والتطور الصناعي وهيمنة الرأسمالية
جاء ماركس ليقدم نظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة في وجه النظريات الرأسمالية المهيمنة على الدول الغربية آنذاك ، واضعًا الأسس الفكرية لإقامة نظام سياسي اجتماعي اقتصادي أكثر تشاركية وعدلا من النظام الرأسمالي ، ولينقسم العالم من بعده إلى معسكرين رئيسيين هما
المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي
أو ما يُعرف بالمعسكرين الغربي والشرقي ، اللذين تنافسا على زعامة العالم لأكثر من 70 عامًا ، تنافسًا كان ضحيته عشرات الملايين من البشر ، لينتهي بانهيار المعسكر الشيوعي وسقوط النظرية الماركسية وانتصار الرأسمالية وبسط هيمنتها على العالم
أدت كتابات ماركس إلى نفيه من ألمانيا عام 1843 فتجه إلى فرنسا ، التي اضطرت إلى طرده بعد عامين بسبب استمراره في الكتابة ، وتعرضها للضغط من الحكومة الألمانية ، فغادرها بعد أن أسس علاقات تنظيمية قوية مع الطبقة الليبرالية واليسارية من الفرنسيين والألمان ، ممن كان لهم دور كبير في ثورة 1848 الفرنسية
انتقل ماركس إلى بلجيكا أوائل عام 1845 ، التي اشترطت عليه عدم الكتابة في السياسة ، ولكنها اضطرت إلى طرده أوائل 1948 بسبب نشاطه السياسي ، ليعود من جديد إلى باريس وينقل المقر التنفيذي للرابطة الشيوعية مؤقتًا إليها وينشئ فيها “نادي العمال الألماني” الذي يضم العديد من الإشتراكيين الألمان الذين يعيشون هناك ، على أمل رؤية ثورة 1848 الفرنسية تمتد إلى ألمانيا
لجأ ماركس أخيرًا إلى لندن في أغسطس/آب 1849 مع المفكر الألماني فردريك إنجلز (1820-1895) الذي التقى به في باريس ، وصار صديقًا مقرّبا له
عاد ماركس في العام نفسه إلى مدينة “كولونيا” غرب ألمانيا ، وأصدر كتيبًا بعنوان مطالب الحزب الشيوعي في ألمانيا ، [ ناقش فيه 4 نقاط فقط من النقاط الـ10 للبيان الشيوعي ، الذي كتبه مع إنجلز ليكون برنامج الحزب الشيوعي] ، معتقدًا أن على الطبقة البرجوازية في ألمانيا الإطاحة بالملكية الإقطاعية والأرستقراطية ، قبل أن تتمكن البروليتاريا العمالية من الإطاحة بالبرجوازية
وكان الاثنان قد انضما إلى عضوية الرابطة الشيوعية ، التي تأسست في مؤتمر رابطة العدالة في لندن في يونيو/حزيران 1847 ، كأول حزب شيوعي عمالي أممي ، وكلفت الرابطة كلا من ماركس وإنجلز بكتابة البرنامج السياسي للرابطة ، الشهير بـ”البيان الشيوعي” أو “منافستو الحزب الشيوعي” الذي طبع لأول مرة عام 1848
وتضم الرابطة النشطاء الليبراليين واليساريين والديمقراطيين من دول شتى ، من الرافضين للأنظمة الملكية الأرستقراطية ، ويسعون إلى إسقاطها
وقد أدت محاكمة قادة الشيوعيين الألمان في “كولونيا” في أعقاب هزيمة ثورة 1848 إلى إنهاء الحركة وحل الرابطة
كانت لندن بمثابة المنفى الأخير لكارل ماركس ، حيث كانت قوانينها تسمح باستقبال المعارضين السياسيين ، وممارسة نشاطهم الفكري والتنظيمي على أراضيها ، واستمر فيها حتى مماته عام 1883
مات كارل ماركس قبل أن يضع خطة لإقامة الدولة الشيوعية ، ولا تصورًا للهياكل التي تقوم عليها
إلا أن تأثيره في العقود الثلاثة التي أعقبت موته كان هائلا بعد نجاح الثورة الشيوعية في روسيا وإقامتها لما يُعرف بالاتحاد السوفياتي ، لينتشر معها الفكر الماركسي في جميع أنحاء العالم ، قبل أن ينهار من جديد مع انهيار جدار برلين
أخيرًا ، يرى النُقاد أن أسلوب ومحتوى أعمال ماركس كانت أكثر صعوبةً ، [لا سيما في الأعمال النقدية التي تناولت الاقتصاد السياسي] ، إذا ما قُورِنت بأعمال إنجلز التي يسهل قراءتها على نحوٍ أكبر
وبالفعل كانت موضوعات إنجلز [ الفلسفة والتاريخ] مألوفةً وأقلَّ غرابةً من موضوع الاقتصاد السياسي
فضلاً عن انه كان يوجد بعض النقاط في أعمال إنجلز يسهل تفنيدها مقارَنةً بحجج ماركس الأكثر تعقيدًا
لذلك تمسَّكَ النُقاد المعادون للمفكرين بوجهة النظر القائلة إن ماركس وإنجلز يمكن قراءة أعمالهما على [نحوٍ تبادُليٍّ]
على الجانب الآخَر ، تضمَّنَتِ الحياةُ السياسية والأكاديمية في المؤسسات الرسمية في الاتحاد السوفييتي التزامًا إيجابيًّا بالمادية الجدلية والتاريخية
فيُأخذ من أعمال إنجلز لكنه يتطلَّب أن تكون تلك التفسيرات حاملةً بصمةَ ماركس ، [الشريك الأكبر ] وبذلك أصبحت العلاقة بين ماركس وإنجلز مقدسةً
2023-10-01