فرويد وكتابه غير المشهور [النكتة وعلاقتها باللاوعي]
( Wit and Its Relation to the Unconscious )
(1856- 1939)
رنا علوان
سيغموند شلومو فرويد ، الطبيب النمساوي من أصول يهودية ، والذي اختص بدراسة الطب العصبي ، كما مؤسس علم التحليل النفسي الحديث ، والمعروف بنظريات العقل واللاواعي ، أما كتابه هذا الذي سنتناوله لم يُترجم الى العربية حتى الآن
لطالما أنشغل عقل فرويد في فهم(النفس البشرية) ، ولم تكن الفكاهة هدف له يومًا ، إلا أنه في بداية القرن الماضي ، أرسل له صديق بأنه يرى أحلامًا أشبه بالنكتة ، مما أثار ذلك فضول فرويد وأخذ يبحث عن الصلة بين النكتة كما يصنعها اللاوعي ، والحلم
[وكانت نتيجة بحثه هي أن اللاوعي هو المسؤول عن صنع النكتة تمامًا كما هو مسؤول عن صنع الحلم]
وبذلك يكون بحث الشخص عنها بوعيه ، هو ما يوصله إلى الاستظراف وإلى ما هو أسوأ وهو السخرية
[النكتة جادة تماما مثل الحرب]
والكوميدي بحسب مفهوم فرويد ، هو شخص جاد بل يكاد يقتله الجد ، لكنه لا يبحث عن النكتة بل هي التي تبحث عنه
يقول فرويد (دعني أزِّل قليلًا من الغموض عن كلامي ، كل ما هو مصدره اللاوعي نحن عاجزون عن التحكم فيه ، بل هو الذي يتحكم فينا)
لذلك فإنها تتعامل مع الخطأ الذي لا تراه الناس بهدف استحضاره أمام أعينهم فيخجلون من ممارسته ، وبالتالي صانع الفكاهة شخص حساس جدًا للأخطاء ، كل أخطاء البشر من حوله تتسلل إلى لاوعيه ، وتضغط على أعصابه بقوة إلى أن تتمكن من الخروج لكي تواجه هدفها
معنى ذلك أن صانع الفكاهة ، لا يستطيع أن يجلس إلى مكتبه ويسأل نفسه ، ترى ما هو الخطأ الذي سأكشفه للناس لأفجر عندهم الضحكات
وفي شرحِه لهذه النظرية ، قدَّم فرويد في هذا الكتابِ تحليلًا لمجموعةٍ من الأساليب ، وأمثلةً من كلماتٍ وألفاظ التورية ، ونُكات ، وطُرَف ، وحكايات
واحتوى الكتابُ على مقدِّمة وثلاثة أقسام ، جاءت عناوينها بالترتيب التالي
القسم الأول [تحليل النُكتة]
وتضمَّن المقدمة ، وفصليْ أسلوب النُكتة، ونَزَعات النُكتة القسم الثاني [تركيبة النُكتة] وهو عبارة عن فصليْن ، آلية السرور والنشوء النفسيُّ في النُكتة ، ودوافع النُكتة، والنُكتة باعتبارها عملية اجتماعية
أمّا القسم الثالث فهو نظريات النُكتة ، وتضمن فصليْ علاقة النُكتة بالأحلام واللاشعور، والنُكتة والأنواع المختلفة من الكوميديا
إن أيُّ شخص دفعه حب المعرفة لدراسة ذلك الجزء المعنيِّ بماهية النُكتة وشبيهاتها في أدبياتِ عِلم النفس ، سوف يُسلِّم بالقول إنَّ فضولَنا الفلسفيَّ لم يُلقِ الضوءَ الكافي على النُكتة، والدور المهم لها في واقعنا
وفي سياق جلي لِمَ أتى عليه فرويد ، اشتق جورج دبليو كيلينج في مقاله عام 1971 ، [أربع أطروحات من أعمال فرويد، والتي اختبرها تجريبيًا]
حيث قام بتقييم الرسوم المتحركة حسب الموضوعات
الموضوع الأول ، إذا كانت الرسوم الكرتونية تحتوي على محتوى جنسي أو عدواني أو مزعج ، فسيتم إعتبارها أكثر تسلية
الموضوع الثاني ، إذا كان الممثلون الرئيسيون في الرسوم المتحركة هم الأطفال أو الحيوانات أو الأشخاص الذين يتم تصويرهم على أنهم بدائيون ، فيُنظر إليهم على أنهم أكثر تسلية من الرسوم الكاريكاتورية مع البالغين القريبين من القاعدة
الموضوع الثالث ، كلما كانت أجزاء النص من الرسوم أقصر ، كان يُنظر إليها على أنها أكثر تسلية
وكلما زادت الاختلافات في تقييم الرسوم المتحركة ، قل مظهرها المضحك بإستثناء الفرضية الرابعة
وقد دعمت البيانات صحة هذه الادعاءات ، لذلك يبدو من الممكن استنباط تنبؤات من نظرية فرويد يمكن إثباتها
هذا لا يؤكد نظرية فرويد بالكامل ، ولا سيما الافتراضات المتعلقة بالجهاز النفسي التي لا يمكن إثباتها تجريبيًا ، ومع ذلك ، يجب أن يكون واضحًا إثبات الفرضية الأولى في حجة فرويد بحقيقة أن [الجهد الأولي للقمع هو الأعظم]
بإختصار شديد لاحظ فرويد كيف أن النكات ، مثل الأحلام ، يمكن أن تكون ذات صلة بالرغبات أو الذكريات اللاواعية ، وقد إستند بنظريتة حول ماهية الفكاهة على ثلاث (الهوية ، والأنا ، والأنا العليا) ووفقًا لفرويد ، الأنا الأعلى هو ما يسمح للأنا بتوليد وتعبير الفكاهة
ولقد كتب شويلر هندرسون على موقع قاعدة بيانات المؤلفات والفنون والطب في 21 مارس 2008 [ هذا الكتاب هو واحد من أكثر غزوات فرويد التي يمكن الوصول إليها في الثقافة وعلم النفس في الحياة الاجتماعية ، مع استثمار أقل في عملية التحليل النفسي كشكل من أشكال العلاج من بعض كتبه الأخرى ، ومناقشات أقل للعلاقات بين الطبيب والمريض]
لكن مثل هذه المواضيع ليست بعيدة عن ذهنه ، ( ماذا نتعلم عن الناس من النكات التي يروونها؟ لماذا نمزح؟ لماذا يبدو الضحك لا إراديًا؟ لماذا يصعب شرح شيء شائع وعالمي؟ هذه بعض الأسئلة التي يطرحها فرويد)
لم تكن فكرته القائلة بأن النكات تحزم قدرًا هائلاً من العداء جديدة ولم تكن فكرة أن المزاح هو تنفيس عاطفي (ويقرّ فرويد على النحو الواجب بمصادره)
لكنه ، في خطوة بنيوية بإمتياز ، يستكشف كيف ترتبط الأشكال الدلالية للمزاح بالأشكال النفسية [ الإيجاز ، والتلاعب بالكلمة ، والعلاقات النحوية والدلالية]
لقد أسهب العالِم النفسي النمساوي سيغموند فرويد ، بالحديث عن أنواع النكت ، وأثرها العميق وقدرتها على كشف الأفكار الحقيقية للإنسان ، فهو يرى أن الإشارات التي تثيرها النكتة ، تفتح الأبواب أمام الطاقة الكامِنة ، التي تنتج بسبب الكبت وتراكم المشاعر السلبية ، وتسمح لها بالانطلاق والتحرّر ، ومن ثم الضحك بلا توقّف
واعتبرت النكتة في عِلم النفس ، من حاله الذي يراه مزريًا ، نوعًا من آليات الدفاع النفسي وطريقة للتأقلم والحماية من الوقوع في فخّ الاكتئاب العميق
يحلل فرويد الكوميديا والفكاهة بشكل عام ، ويختم بملخص دراسته
[نحن الآن في نهاية مهمتنا ، بعد أن قللنا آلية المتعة الفكاهية إلى صيغة مماثلة لتلك الخاصة بالمتعة الهزلية والذكاء]
لقد بدا لنا أن مُتعة الفطنة تنبع من الإنفاق المُوّفر للمنع ، ومتعة الكوميديا من الإنفاق المُوّفر للعرض ، ومتعة الفكاهة من الإنفاق المُوّفر للعاطفة
في جميع الطرق الثلاثة للعمل في أجهزتنا النفسية ، [تنبع المتعة من الادخار] يتفق الثلاثة على أنهم يمثلون طرقًا لإستعادة المتعة من النشاط العقلي والتي ضاعت في الواقع فقط من خلال تطوير هذا النشاط ، لأن النشوة التي نسعى جاهدين لتحقيقها بهذه الطرق ليست سوى مزاج العمر الذي إعتدنا فيه أن نقوم بعملنا النفسي بجهد ضئيل ، (مزاج طفولتنا) حيث لم نكن نعرف الكوميديا ، غير قادرين على النكات ولم تكن بحاجة إلى الفكاهة لتجعلنا نشعر بالسعادة في الحياة