تفاؤل أمريكي بشأن فرص إنهاء الحرب، وروسيا منفتحة على هدنة في البحر الأسود!
سعيد محمد *
أُستعيد الزخم إلى المحادثات بشأن انهاء الحرب في أوكرانيا بين الولايات المتحدة وروسيا حيث التقى الوفدان المفاوضان في فندق الريتز كارلتون بالعاصمة السعوديّة الرياض أمس (الإثنين) بعد يومين من المحادثات لتنسيق المواقف بين الجانبين الأمريكي والأوكرانيّ وصفها رستم أوميروف، وزير الدفاع الأوكرانيّ، بأنها كانت “بناءة وذات مغزى، لا سيما لجهة تحييد منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
وأتت هذه الجولة الأحدث من الجهود لوقف الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات بعد مكالمة هاتفيّة (الثلاثاء الماضي) بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين تم خلالها التفاهم على وقف إطلاق نار جزئي لمدة ثلاثين يوماً يتضمن وقف الهجمات المتبادلة ضد محطات الطاقة، وتطمح كييف لتوسيعه الآن ليشمل الموانىء ومحطات القطارات.
وأعرب ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، عن تفاؤله بشأن فرص إنهاء الحرب، وقال في مقابلة تلفزيونيةّ عشيّة استئناف المحادثات الأمريكيّة-الروسيّة: “أعتقد أننا سنرى (في محادثات السعودية يوم الاثنين) بعض التقدم الحقيقي، لا سيما فيما يتعلق بوقف إطلاق النار على السفن بين البلدين في البحر الأسود. وذلك، سيقودنا بشكل تلقائي، إلى الحديث عن وقف إطلاق نار كامل”، معرباً عن ثقته بالعمل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء الصراع قائلاً أنّه قد أحبه، ولا يعتبره أبداً رجلاً سيئاً، بل”شخص ذكيّ للغاية، وأشعر أنه فعلاً يريد السلام”، مقللاً من المخاوف الأوروبيّة بأطماع مزعومة لدى الروس للاستيلاء على كل أوروبا.
على أن ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، كان أكثر حذراً، وأبلغ التلفزيون الرسمي الروسي مساء الأحد أن المفاوضات جارية “لكننا ما زلنا في بداية طريق صعبة”، وكذلك فعل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي قال في بيان متلفز إن محادثات ممثليه مع الأمريكيين وإن جرت بطريقة بناءة وكانت مفيدة تماماً، إلا “إن هنالك حاجة الآن إلى إقناع بوتين بإعطاء أمر حقيقي لوقف الاستهدافات”.
وكان الرئيس الاوكراني يتحدث بعدما قتل سبعة أشخاص على الأقل في وابل من الضربات الروسيّة من أكثر من 140 طائرة بدون طيار في جميع أنحاء أوكرانيا حيث سمع دوي انفجارات خلال الساعات الأولى من الليل في جميع أنحاء العاصمة كييف، فيما استمرت الغارات الجوية لأكثر من خمس ساعات وطالت مناطق في طول الأراضي الأوكرانيّة وعرضها.
لكن موسكو قالت إن الجيش الروسيّ لا يزال ملتزماً بوقف النار الجزئي ولم تستهدف هجماته الأحد أياً من منشآت الطاقة، لكنه يراقب الوضع عن كثب.
وبحسب مصادر صحافيّة، فإن محادثات أمس – التي قادها عن الجانب الأمريكي أندرو بيك، المدير الأول في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، ومايكل أنطون، المسؤول الكبير في وزارة الخارجية فيما مثل روسيا جريجوري كاراسين الدبلوماسي السابق الذي يشغل الآن منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الروسي وسيرجي بيسيدا مستشار مدير جهاز الأمن الفيدرالي (المخابرات الروسية) – تركزت حول البحث في تفاصيل تنفيذ وقف إطلاق النار الجزئي، كما البحث في وقف الأعمال القتالية في البحر الأسود، فيما دفع الوفد الأمريكي من أجل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار بحلول العشرين من إبريل / نيسان المقبل (حيث تتوافق التقاويم المسيحية الغربيّة والشرقية هذا العام على موعد عيد الفصح). لكن مطلعين على مسار المفاوضات حذروا من أن ذلك رهن بتذليل العديد من الصعوبات بسبب الفجوة الواسعة بين مواقف كل من موسكو وكييف، لا سيما فيما يتعلّق بعضوية محتملة لأوكرانيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) – والتي تراها روسيا تهديداً جدياً على حدودها وسبباً جذرياً للحرب، فيما يعتبرها النظام الأوكراني بمثابة مظلة حماية لردع روسيا عن مهاجمتها مستقبلاً -، وكذلك مسألة الأراضي التي ضمتها روسيا وتعتبرها أوكرانيا بمثابة أراض محتلة.
وكان الرئيس بوتين قد أبلغ نظيره الأمريكي خلال مكالمتهما التلفونية الأخيرة بأن أي اتفاق سلام طويل الأجل سيتطلب إنهاء تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدات العسكرية لنظام كييف من حلفائه الغربيين، فيما يأملَ زيلينسكي بأن الحلفاء لن يوافقوا أبداً على هذا الشرط.
وقال مايك والتز مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض إن الولايات المتحدة تتحدث عن مجموعة من إجراءات بناء الثقة في المحادثات بشأن الحرب مشيراً لأن “الاتفاق على وقف إطلاق النار في البحر الأسود، سيفتح المجال تالياً للتحدث حول خط المواجهة الأمامية الفعلية، وهذا يدخلنا في تفاصيل آليات التحقق، وحفظ السلام، وتجميد الخطوط أينما كانت. وبعد ذلك، بالطبع، السلام الأوسع والدائم “.
وكانت روسيا، على لسان بيسكوف، قد أعربت عن انفتاحها على اقتراح من الرئيس ترامب بتوسيع وقف إطلاق النار ليشمل البحر الأسود بما في ذلك استئناف محتمل لصفقة الحبوب لعام 2022 التي تم التوصل إليها حينذاك بوساطة تركيا والأمم المتحدة، وضمنت الملاحة الآمنة للصادرات الزراعية الأوكرانية عبر البحر الأسود – قبل أن تنسحب منها موسكو لاحقاً بعد اتهامات للغرب بفشله في هالوفاء بالتزامات حول تخفيف العقوبات المفروضة على صادرات روسيا من المنتجات الزراعية والأسمدة -.
وفي ذات الأجواء، تلقى المشروع البريطاني-الفرنسي لدور أوروبيّ في حفظ السلام – وتوفير ضمانات أمنية للنظام الأوكراني حال التوصل إلى تسوية – ضربة قاصمة الأحد بعد أن عبّر ويتكوف في مقابلته التلفزيونية عن ازدرائه للفكرة ودوافعها معاً، معتبراً أن رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، يتخذ مواقف استعراضيّة ومسرحيّة لا طائل من ورائها.
وسخر المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي من فكرة ستارمر لإرسال قوات إلى أوكرانيا التي وصفها ب”شديدة الضحالة”، وتبدو أقرب إلى محاولة لتقمص شخصية ونستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية) للتهويل باجتياح روسيّ لأوروبا، وقال: “أعتقد أن هذا مناف للعقل. إذ بالمناسبة، لدينا اليوم شيء يدعى الناتو لم يكن موجوداً في الحرب العالمية الثانية!”.
وقلل ويتكوف أيضاً من شأن مخاوف حلفاء واشنطن الأوروبيين من أن اتفاق سلام في أوكرانيا قد يشجع بوتين على غزو جيران آخرين، قائلاً: “لا أرى بأن (الرئيس الروسي) يريد الاستيلاء على أوروبا بأكملها، إننا في وضع مختلف كثيراً عما كنا عليه وقت الحرب العالمية الثانية”، مشدداً على أن “أولوية الجميع يجب أن تكون لوقف القتال، وانهاء المذبحة الجارية”.
لندن
2025-03-25