عشر نقاط في التعليق على نتائج الانتخابات النيابية، وفقه المقاطعة!
(1)
محمد ابو عريضة*
أولًا: كنت وأنا أتابع الحملات الانتخابية، أمني النفس وأؤيد بشدة فوز قائمة “طريقنا”، قائمة الحزب الشيوعي الأردني، الحزب الذي اعتبر نفسي جزءً منه، برغم أنني لست عضوًا فيه. كنت أيضًا أرجو أن يُوَّفق الرفاق في حزب الوحدة الشعبية في مسعاهم بالمساهمة في هذه الانتخابات بقائمة “الوحدة” المحلية، وأن تنجح في إيصال بعض أعضائها إلى القبة.
ثانيًا: مع هذه الأمنيات والرجاء الخالص، فأنا ضد الانتخابات النيابية، وأرى أن المشاركة فيها تشويه لوعي الأردنيين، “مشاركة” تدفعهم بسلاسل الديموقراطية الشكلية لاختيار نخبة سياسية جديدة كل أربع سنوات، مهمتها تنحصر فقط في إتمام المشهد المطلوب إظهاره لدوائر الغرب المهيمن علينا، ولا سيما الدوائر الأمريكية، أما الناس فلا عزاء لهم. فلسان حال الغرب والحكومات يقول للناس: لتذهبوا إلى الجحيم، المهم أن يبقى الغرب مهيمنًا، وتبقى الحكومات حكومات. التجارب السابقة أثبتت صحة هذا الاستنتاج، و”من يجرب المجرب عقله مخرب”.
ثالثًا: لكن؛ لماذا أنا ضد الانتخابات النيابية؟
هل لأن شبهات التزوير تشوبها أم لأنني أرى أن قانون الانتخاب ونظام الدوائر والإجراءات المتبعة يشوبها عوار أم لماذا؟
أقول: نحن دولة، سمتها البارزة “التبعية”، أي أن ما تعانيه هو مرض اسمه “التبعية”، بمعنى أنها لا تمتلك إرادتها السياسية والاقتصادية بشكل رئيسي، أو إذا أردنا تزويق التشخيص يمكن أن نقول إن إرادة الدولة مختطفة.
أما المجتمع الأردني؛ فهو مجتمع غائب أو مغيب، وإن ترائى لبعض من النخبة أن مجرد انتخاب الشعب كل أربع سنوات مجلس نواب جديد، وخطب النواب أمام الحكومة في حفل منح الثقة، أو في “مسرحية” تمرير الموازنة أو الخطابات الرنانة لأي مناسبة أخرى، تجعل الناخبين ومصالحهم حاضرة، ومؤشر واضح لا لبس فيه بأن الشعب الأردني يشارك في إدارة حياته، فهذا البعض واهم، لأن هذا تضليل، لكن لماذا تضليل؟
أولًا: نحن، كما قلت، دولة تابعة، وبما أن الجزء يحمل صفات الكل، والدولة تابعة، فإذن كل أجزائها تابعة، حتى لو جرت فيها انتخابات حرة ونزيهة وفق أفضل قانون انتخابات.
طيب؛ قد يسأل سائل: هل هذا يعني أن النواب أنفسهم تابعون؟
أنا لا أتحدث عن أشخاص، بل عن مؤسسة، هي جزء من دولة تابعة، أما النواب، فالتأكيد يوجد نواب أحرار، ويمتلكون إراداتهم، لكنهم ينتمون إلى مؤسسة تابعة في دولة تابعة.
النقطة الرئيسية في جدول أعمال المجتمع، حينما تكون الدولة التي يعيش فيها أفراد هذا المجتمع تابعة ومؤسساتها تابعة هو: “كسر” التبعية، أي “التحرر الوطني”، فهل الانتخابات النيابية التي تنتج مجلس نواب تابع لدولة تابعة هو الطريق لـ “كسر التبعية”، فإن كان كذلك، دعونا نناقش الأمر، أما خلاف ذلك، فهو تضليل، وتشويه وعي الناس.
وقد يقول أحد الرفاق الماركسيين بأن لينين دعا في إحدى المرات إلى المشاركة في الانتخابات، حتى لو كانت السلطة القائمة سلطة البرجوازية، وهذا صحيح، لكن بشرط أن يجرى هذا في ظل وجود حزب شيوعي ثوري قوي، وعدم الاكتفاء بهذه المشاركة البرلمانية، بل، كما قال:
ليس علينا أن نرفض المشاركة في الدوما الثانية عندما تنعقد “أو حتى لو” انعقدت. ليس علينا أن نرفض الاستفادة من هذه المساحة، ولكن ليس علينا أن نغالي في أهميتها المتواضعة، مُتبعين خبرتنا التاريخية، فان علينا أن نُخضِع تمامًا شكل النضال في الدوما لشكل آخر من النضال مثل الإضرابات والانتفاضات، الخ.
أما خلاف ذلك، فهو وهم، وكما قال لينين في كتابه “مرض اليسارية الطفولي”: إن بسطاء العقول وحدهم هم الذين يقولون أنه يجب على البروليتاريا قبل كل شيء أن تكسب الأغلبية في الإنتخابات الجارية تحت نير البرجوازية وفي ظل نير عبودية الأجر، وعليها بعد ذلك أن تنتزع السلطة. إن هذه قمة الرعونة أوالرياء. ومعنى ذلك استبدال الصراع الطبقي والثورة بالتصويت في ظل النظام القديم والسلطة القديمة.
رابعًا: طرح بعض اليساريين والقوميين منذ عام 1989، إثر “هبة نيسان” و”عودة الحياة النيابية” – مع أنها لم تكن غائبة فعليًا – و”الميثاق الوطني” و”إلغاء الأحكام العرفية” شعارًا، بدا لبعض الرفاق براقًا يمكن أن يشكل منصة للبقاء في المشهد والارتقاء، هو شعار “المشاركة والتغيير”، أي المشاركة والانخراط في العمل السياسي استنادًا إلى نصوص القانون والميثاق، وتغيير الواقع عبر هذه المشاركة.
قلت، وقال غيري، حينذاك، وما زلت أقول، ويقول غيري: عمر الدولة الأردنية مئة عام، وتمتلك جهاز بيروقراط قوي متمرس، وأجهزة سيادية راسخة لها تجارب ناجحة في الاستيعاب والهضم، وتمتلك تجارب ناجحة في إدارة النخب السياسية الصاعدة، وتنحية من تنتهي صلاحياته. أما أنتم، أقصد أصحاب شعار “المشاركة والتغيير”، فأنتم قلة، وتجاربكم متواضعة بالمقارنة مع تجارب السلطة، ناهيك عن غياب مراكز الاشعاع الفكري التي كانت تعد مرجعيات مهمة لليساريين والقوميين، كالاتحاد السوفيتي والعراق وسورية.
لذا فإن أمامكم – أصحاب الشعار محور الحديث – خيارين: إما الانخراط في تفاصيل العمل والسماح بالانهضام السلس، وهذا يعني أنكم ستتحولون بعد وقت قصير إلى جزءٍ من السلطة، وبالإمكان العودة إلى حالات عديدة في هذا السياق، يمكن لمن أراد أن يعرف أسماءهم. أو البقاء في صفوف المعارضة داخل “بنية” السلطة، وهذا ممكن، لكن إمكانية التغيير داخل البنية شبه معدومة، ووجودك تمنح المؤسسة التي تنتمي إليها “فسيفساء” إضافية، اسمها “معارضة”، وأيضًا بالإمكان العودة إلى حالات معروفة بقيت وظلت تناضل، لكن تأثيرها كان متواضعًا أو شبه معدوم.
يتبع
2024-09-12
