طبق الكرامة بين اللحظة الخطابية والطموح الوطني!
أمجد إسماعيل الآغا*
في لحظة الخطاب الوطني التي يرفرف فيها شعار “طبق الكرامة”، يتبدى التناقض الساطع بين الطموح الوطني المعلن وواقع السوريين الذي يصده الألم والمعاناة اليومية. الكرامة، تلك القيمة السامية التي تتغنى بها الشعارات، ليست مجرد كلمات تُطلق في المناسبات، بل هي حالة وجودية تعكس حرية الإنسان وأمنه وحقوقه، وهي اليوم غائبة من حياة السوريين الذين يرزحون تحت وطأة الفقر، وانعدام العدالة، وضمن ذلك وعلى مفترق اللحظة الخطابية والطموح الوطني، يبدو واضحاً كيف تتآكل الكرامة الحقيقية بفعل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث تغيب الإرادة الحقيقية لوضع الشعب في مركز القرار وتمكينه من حياة كريمة. شعار الكرامة لم يعد سوى طبقة رقيقة تغلف جراحًا عميقة، وشعارات متكررة تعكس ظلماً مستشريًا يكسر الحلم الوطني.
هل يمكن أن تبقى الكرامة مجرد صوت يعلو في المداولات الرسمية، بينما تبكي الأرض السوريّة من فقدان الأمن، وتضيق على الإنسان في حريته وحقوقه الأساسية؟. هنا يكمن السؤال الجوهري: كيف نعيد الحياة لكرامة الوطن والمواطن، فتصبح حقيقة تتجاوز الحكايات والخطب، لتنبض في تفاصيل حياة السوريين؟، وأين كرامة السوريين اليوم؟. شعار الكرامة يرفرف، لكن الحقيقة تقول إن السوريين ما زالوا في وضع يحطم هذا الشعار على أرض الواقع.
الحديث عن “الكرامة” أصبح تكرارًا فارغًا ومسمارًا يُطعن به لحم السوريين الذين يئنون تحت وطأة فقدان الأمن، وحالة الفوضى السياسية والأمنية، وكيف يُمكن الحديث عن كرامة شعب ينام كل ليلة على إشكالية ويستقظ على أُخرى.
سياسيًا، الكرامة الحقيقية منعدمة ما دامت حقوق الإنسان والحريات الأساسية مجرد كلمات في بيانات ومواثيق تُستخدم فقط لتجميل صور دولية أو لاسترضاء داعمي السلطة. لا كرامة في وطن تُختزل الحريات فيه تحت سيطرة أمنية، ولا عدالة تنصهر في مفرمة سياسية وأمنية، وفي غياب لأي مشروع وطني جامع.
اقتصاديًا، الكرامة مُنهكة حين يصبح الفقر والجوع أجوبة يومية على تساؤلات السوريين، ويُجبر كثيرون منهم على التهجير، أو القبول بوظائف بلا أمان ولا ضمان، متنازلين عن حقوقهم في لقمة عيش كريمة. نظامٌ يدعي بناء الوطن، لكنه يترك جيشًا من العاطلين والمجبرين على الغربة والمهانة.
اجتماعيًا، لا تزال الجراح تنخر نسيج المجتمع، وتغرق الوحدة الوطنية في مستنقع من الانقسامات والمخاوف. السوري الذي لا يتحرك بحرية ولا يشارك في صياغة مستقبله يعيش كرامة مهدورة. الشعارات التي تهتف بالكرامة لا توازي واقعًا يذبح الروح الوطنية في مهدها.
إن الحديث عن شعار «كرامة السوريين» اليوم لا يكاد يفيد سوى كونه طبقة مظهرية، غطاءً فوق جراح عميقة، وكلمات تعيد تدوير الألم بدلًا من مواجهته. فالكرامة في سوريا منقوصة بفعل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبغياب إرادة فعلية تضع الشعب السوري في مركز القرار، وتحمي حقوقه دون مجاملات أو تنازلات خارجية.
الكرامة، يا من تتغنى بها الشعارات الرسمية، لا تُجتر في قصائد أو شعارات وطنية تُرَوَّج، بل تحيا في حرية المواطن، وفي أمنه وفي قدرته على بناء حياته بلا تهديد أو ظلم، وفي مجتمع يُعطي حقوق الجميع بلا استثناء، وهل يُمكن أن تُبنى الدولة على أكاذيب تُحتفى بها إعلاميًا، بينما المواطن السوري يرزح تحت وطأة فقدان الأمن والمعيشة؟ الواقع يقول: الكرامة تحتاج لبذل جهد سياسي واجتماعي واقتصادي جاد، لا لتجميل ظاهر بأيقونات جديدة أو شعارات فضفاضة.
إن شعار “طبق الكرامة” يظل حلمًا بعيد المنال ما لم تترافق الكلمات مع أفعال حقيقية تضمن حرية الإنسان وسلامته وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. الكرامة التي يتطلع إليها السوريون لا تُبنى بالخطابات أو الشعارات المكررة، بل تتحقق بإرادة صادقة وجهود مشتركة تدفع نحو إصلاح شامل يضع الإنسان في قلب المشروع الوطني. بدون ذلك، تبقى الكرامة مجرد قناع زائف يحجب واقعًا مؤلمًا من الفقر، التهجير، والانقسام. في النهاية، لا يمكن أن تقوم دولة حقيقية وموحدة إلا على أساس احترام كرامة مواطنيها، وتحقيق أمنهم واستقرارهم، وإعادة بناء وطن يعكس طموحاته الوطنية الحقيقية بعيدًا عن المظاهر الزائفة.
كاتب وباحث سياسي.
2025-09-08