خواطر على هامش الحدث الفنزويلي…!
سعادة مصطفى أرشيد*
ينشغل العالم اليوم بالحدث الفنزويلي فقد كان اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته بداية الحدث لا نهايته، والذرائع التي تدّعيها واشنطن والاتهامات التي توجهها لفنزويلا ورئيسها بأنهما يقودان عصابات إرهاب وإنتاج وتجارة المخدرات وإدخالها كسموم لجيل الشباب الأميركي، وإن كانت تقارير سابقة صدرت عن وزارة العدل الأميركية تقول إن أقل دولة تنتج المخدرات في أميركا الوسطى والجنوبية هي فنزويلا، فيما تقفز إلى الذاكرة روايات جورج بوش وكولن باول حول خطورة صدام حسين والعراق ودكتاتوريته وخروجه عن قواعد الديمقراطية وعدم احترامه لحقوق الإنسان والأهم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل وتلك المحرّمة دولياً وعلى رأسها الأسلحة الجرثومية والكيماوية والنووية، وكان وزير خارجية أميركا في حينه كولن باول قد عرض في خطابه أمام مجلس الأمن المسألة العراقية، وكان يحمل بيده قارورة أرادها دليلاً يثبت صحة الرواية على وجود مثل تلك الأسلحة، ولكن كولن باول عاد واكتشف واكتشف معه العالم أجمع تهافت رواية الأسلحة هذه وأن لا وجود لمثل هذه الأسلحة في العراق ولم تستطع لا فرق التفتيش الدولية ولا فرق التفتيش الأميركية المنحازة أن تعثر على شيء من ذلك.
إلا أن اكتشاف زيف هذه المعلومات لم يغير النتائج على أرض الواقع، فالعراق تم احتلاله وتحطيمه، ويجدر أن تستعيد الذاكرة مع الحدث الفنزويلي أن عند دخول القوات الأميركية لبغداد لم تكن وجهتها الأولى قصور الرئاسة أو وزارة الدفاع أو وزارة التخطيط أو التصنيع الحربي، وإنما كانت وزارة النفط، وهذا يؤشر على الهدف الحقيقي لهذه الحرب. وفي النهاية أصبح العراق مقسماً ولم تأته عساكر أميركا بالديمقراطية والحرية والحياة الرغيدة، وأصبح المواطن العراقي يعيش في حالة أسوأ من حياته في عهد صدام حسين إن من حيث الأمن الشخصي أو من حيث الرفاه أو من حيث المستقبل الوطني أو الفردي.
دونالد ترامب يقول إن على زبائن النفط الفنزويلي أن يكونوا مطمئنين فلن تتوقف مبيعات البترول للصين أو للسوق العالمية أما نائبه فانس فيرى في ما جرى ليس إلا عملية مشروعة تهدف لاسترداد النفط المسروق من الولايات المتحدة وإن كان في باطن الأرض الفنزويلية، وهذا ما يطرح السؤال كيف يستقيم هذا القول، إلا إذا كان هؤلاء يرون أن الكوكب الذي نعيش فيه بطوله وعرضه هو ملك عضوض للولايات المتحدة ولا بد لها من أن تستردّه.
قد يكون من المبكر تقدير أو معرفة كيف ستكون مجريات الوضع في فنزويلا، ولكن الأكيد أن اختطاف مادورو وزوجته هو بداية الأحداث الكبيرة وليس نهاية لها، ويبدو أن هذا الاختطاف على ما به من تعقيد وتفاصيل وأسرار كان أسهل مرحلة من مراحل الخطة الأميركية، إذ تواصل وزير الخارجية الأميركي مع نائبة الرئيس مادورو السيدة ديلسي رودريغيز وطلب منها قيادة البلاد في هذه المرحلة الانتقالية، وهو الأمر الذي صدر كفتوى قضائية من أعلى هيئة قضائية في فنزويلا. هذا مع أن كثيراً من الناس كان قد افترض أن ترامب سيدعم ترشيح ماريا كورينا ماتشادو الحائزة على جائزة نوبل، فهي التي كانت مرشحة الإدارة الأميركية للانتخابات الرئاسية ذات مرّة والتي جعل منها الإعلام الأميركي زعيمة للمعارضة والقادرة على إعادة بلادها إلى ظلال الليبرالية التي تريدها الإدارة الأميركية، ولتكون بديلاً أميركي الهوى عن مادورو وعن نهج هوغو شافيز وإرث سيمون بوليفار، لكن بعد اختطاف مادورو، عاد ترامب وأعرب عن اعتقاده أنه سيكون أمراً بالغ الصعوبة وضع ماريا كورونا ماتشادو كرئيسة أو قائدة لفنزويلا لأنها لا تحظى لا بدعم شعبها ولا باحترامه دون أن ينسى ملاحظة أنها امرأة لطيفة وظريفة جداً، ولكنها لا تحظى بالاحترام والتقدير.
نائبة الرئيس لا زالت تعتبر أن لفنزويلا رئيساً شرعياً واحداً هو مادورو، وأنها رئيسة تصريف أعمال ليس إلا، وفي حالة الفوضى التي سببتها الأحداث هذه يتنطح وزير الخارجية الأميركي ليطرح فكرة التدخل العسكريّ المباشر في فنزويلا التي تبدو له وكأنها رحلة سفاري لقضاء الوقت.
قد يوجد في فنزويلا من لا يحبّ النهج البوليفاري الشافيزي، وقد تجد الولايات المتحدة مَن يُعحب بها ويرغب بالتعامل معها، ولكن من المؤكد أن ليس كل الشعب الفنزويلي يريد ذلك ومن المؤكد أيضاً أن كل دول أميركا اللاتينية والوسطى أصبحت تحسب أن ما جرى لفنزويلا قد يجري معها.
يتداول الناس في بلادنا تعليقات بالعامية منها ما يقول: (عند الأميركان اليوم في مادورو وغداً عندهم اللي ما إجا دورو) فهل يحسب عالمنا العربي مثل هذا الحساب وأن قادته على القائمة وسيأتيهم الدور؟ فقد وصلت الغطرسة الأميركية إلى حدود غير مسبوقة بحيث لم يعد في هذا العالم مكان آمن.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-01-07