خارج بوَّابة كهفي..!
سعود قبيلات
أفتحُ تلفازي بينما مسترخٍ، على صخرتي، وفي كهفي، بحالتي الطُّحلبيَّة؛ فأرى عالماً يأكلُ بعضُه بعضاً، خارج بوَّابة كهفي. ويصعب عليَّ، في معظم الأحيان، التَّمييز بين رجال الدَّولة وبين رجال الشّرطة والعسكر..
فالحركات هي نفسها، وكذلك ملامح الوجوه، واللغة الأوامريَّة التَّقريعيَّة للنَّاس. بل إنَّ سلوكَهم ليُشبه سلوك معلِّمي المدارس، قبل زمنٍ طويلٍ، مع تلاميذهم؛ ومثل تعامل السَّجَّانين الأشدَّاء مع حثالات السُّجناء.
إنَّه عالمٌ عُصابيٌّ، تتفشَّى فيه النَّزعة العسكريَّة البوليسيَّة. فأين يمكن أنْ يكون موقعُ الأحلام والمشاعر الجميلة والمرهفة والنَّبيلة، والأفكار الذَّكيَّة والعظيمة، مِنْ مثل هذا العالم الفظّ وضيِّق الأفق؟
حسناً فعلتُ، بانصرافي عنه إلى كهفي هذا. إنَّني أتفرَّج عليه، مِنْ هنا، عبر تلفازي، وأنا أشعر بالازدراء الشَّديد، لرموزه وشخوصه، الَّتي تملأ الشَّاشات بقباحاتها.
وما يثير، في نفسي، مزيداً من الشُّعور بالازدراء، هو رؤية بعض الأشخاص، الَّذين يتذاكون، ويمارسون ألعاباً بهلوانيَّة سخيفة، ليحظوا بفرصةِ أنْ يكونوا خدَّاماً صغاراً، لأولئك التَّافهين الغلاظ، مِنْ متصدِّري المحافل والشَّاشات.
وأحياناً تصبح، تلك الظَّاهرة الرَّديئة، أكبر مِنْ أنْ تُحتَمل؛ إذ يأتيني، عبر سمَّاعات التّلفاز، الصُّراخ الكاريكاتيريّ القبيح، لهؤلاء، وهم يؤدّون مهامّ وظائفهم المنحطَّة، تلك، في خدمة أرباب عملهم التَّافهين.
إنَّني، بحقّ، ومِنْ دون أنْ أتجنَّى على أحد، أشعر بأنَّ، في مهنة المومس، شرفٌ، أكبر بكثير، ممَّا في مهن هؤلاء. يا له من انحطاط، ذلك الَّذي يصنعه ويعبِّر عنه هؤلاء الأنذال وأمثالهم!
وعادة ما ينتهي بي الأمر إلى إغلاق التّلفاز والرّكون إلى صمتِ كهفي؛ إذ أشعر بأنَّ أمثال هؤلاء الحثالات الرَّخيصين ينحطّون بمستوى النَّوع البشريّ إلى الحضيض.
ـــــــــــــــــــــــــ
مقتَطَع مِنْ كتابي القصصيّ “كهفي”، الصَّادر في العام 2011
2026-01-04