جردة حساب أوليّة…
سعادة مصطفى أرشيد*
عقب السابع من تشرين الأول 2023 أعلن بنيامين نتنياهو أن الحرب على غزة ستنتهي بهزيمة المقاومة الفلسطينية هزيمة نهائيّة، ولكن الأهم أن حربه الدموية هذه ستكون منطلقاً لإعادة بناء وتشكيل الشرق الأوسط الجديد الذي كان قد مضى على تشكيله قرن ونيّف من السنوات التي بدأت بالاتفاقية الأنجلو-فرنسية المعروفة باسم اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916، ثم أخذت شكلها النهائي وشرعيتها الدولية في مؤتمر سان ريمو عام 1920.
يوم أول أمس الأحد، وبالترافق مع الأخبار التي تؤكد أن اتفاقاً إيرانياً أميركياً قد أصبح قيد الإبرام النهائي، شعرت حكومة الاحتلال ومعها كامل عناصر الدولة العميقة من أمن واقتصاد ومعارضة بالخطر، فقامت بالمشاغبة على الاتفاق وحاولت تعطيله بشن غارة على بناء سكني في حي الغبيري المجاور للضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك لتحقيق هدفين: الأول لاستدراج رد إيراني عنيف على دولة الاحتلال يعرقل هذا الاتفاق، والهدف الثاني هو في محاولة لإخراج لبنان من الاتفاق في حال لم تستطع هذه الغارة تعطيله، وجعل يد الإسرائيلي مطلقة في استباحة كامل الأرض اللبنانية لا في الجنوب فحسب، وكان هذا ما استدعى رداً إيرانياً لم يكن يتصوّر الإسرائيلي ولا الأميركي أن يكون بهذا القدر من الجدّية، فلبنان هو قلب إيران وهو جزء من الاستراتيجية الإيرانية التي لا يمكن التخلّي عنها، وأن القرار قد اتخذ في طهران بقصف دولة الاحتلال، ودعا أركان القيادة الإيرانيّة إلى مراقبة السماء ليلاً لرؤية الصواريخ والمسيرات فالإصبع على الزناد.
لكن النتيجة جاءت مغايرة تماماً للتقديرات الإسرائيلية، إذ بدا واضحاً أن قرار قصف الغبيري جاء بقرار منفرد من تل أبيب ودون غطاء من واشنطن، الأمر الذي دعا واشنطن إلى الإسراع في القبول بتوقيع الاتفاق، لا بل وتقديم مزيد من التنازلات لطهران في اللحظة الأخيرة مقابل عدم إطلاقها صواريخها الجاهزة تجاه فلسطين المحتلة، وكان الثمن الإضافي الذي دفعته واشنطن يشمل الرفع الفوريّ للحصار والإسراع في الإفراج عن جزء كبير من الأموال الإيرانيّة المحتجزة، والأهم بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها في جولة التصعيد الأخيرة.
لم يأتِ ذلك حباً وكرامة ولا نتيجة ليقظة ضمير أميركية ترامبية، وإنما كان حصيلة للصمود الإيراني والقدرة الإيرانية واللبنانية التي استطاعت القتال بشجاعة مقترنة بالحكمة وحسن التدبير في إدارة الموارد القليلة التي واجهت أعتى قوة عسكرية في العالم، فالصمود الإيراني حكومة وعسكراً وشعباً وقيادة كانت له نتائجه الباهرة التي أفقدت الولايات المتحدة قدرتها على تحقيق أي من أهدافها المعلنة بتغيير النظام أو بتفكيك المشروع النووي أو بقطع العلاقة بين طهران وحلفائها ووقف تمددها تجاه شرق المتوسط وباب المندب والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
وإذا كان الصمود الإيراني واللبناني له الفضل الأكبر في هذه النتيجة، فإن الجهد الباكستانيّ كان له دور مؤثر في هذه النتيجة، وكذلك كان هناك دور لمن ذكرهم رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهم الذين انتابهم القلق وأصابهم الشك العميق من اعتقادهم الواهم بأن القوة الأميركية لا تقهر، لكنهم عند انكشاف حدود قوتها ومدى قصر جناحها أمام الإرادة والصمود لكل من إيران ولبنان، دعا كثير من هؤلاء للطلب من واشنطن وقف الحرب خوفاً من الاكتواء بنارها، وهو الطلب الذي جاء مترافقاً مع عجز أميركا عن تحقيق أهدافها.
وفق الأخبار الواردة من إسلام آباد وهي الأخبار الأكثر دقة، فإن الاتفاق يشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار لمدة 60 يوماً وعلى جميع الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية، والإفراج المتدرج عن الأرصدة الإيرانية المحتجزة بما فيها الإفراج السريع عن 10 إلى 14 مليار دولار أميركي، وأن اليورانيوم بكل مستويات تخصيبه سيبقى في إيران، وأن تعويضات لخسائر إيران البالغة جراء القصف الأميركي – الإسرائيلي ستكون في صندوق خاص يحتوي على 300 مليار دولار، وأن إيران تملك الحق بالسيطرة على مضيق هرمز وستتقاضى رسوماً ممن أراد العبور في وقت لاحق، وغني عن الذكر أن القيادة الإيرانية لا زالت في مكانها، وأن العلاقة بين لبنان وحلفائها قد تدعّمت أكثر من أي وقت مضى، وأن المشروع النووي وإن جرى التفاوض حوله فإنه باقٍ، وإيران هي التي سبق أن أعلنت عدم رغبتها في إنتاج القنبلة النووية.
يمكن القول إن نتنياهو كان قد أصاب جزءاً من الحقيقة في أيام الحرب على غزة عندما تحدّث عن شرق أوسط جديد، فها قد أصبحنا نرى ملامحه، ولكن ما لم يصب به نتنياهو أن هذا الشرق الأوسط الجديد قد تشكّل على نحو مغاير تماماً لما كان يأمل، وعليه أن يتجرّع الكأس المرة.
وفي الحصيلة النهائية التي تحتاج إلى وقت لمعرفة كامل تفاصيلها، يمكن القول إن المؤكد هو أولاً في انتصار إيران ولبنان، ولكن الشيطان لا زال رابضاً في التفاصيل لمدة 60 يوماً لن تكون سهلة، سواء على لبنان حيث سوف تُدفع باتجاه الحرب الأهلية لتترافق مع ضرباتها، أو على الضفة الغربية المهددة بالاستيطان والضم والتهجير، وثانياً أن “إسرائيل” خاسرة في هذه الجولة ولكنها قد تحصل على جائزة ترضية على حساب أمننا القوميّ، ثالثاً أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب قد أصيبت بأضرار بالغة ولكن لفترة من الزمن وليس للأبد.
* سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-06-17