•• تحليل جيوسياسي: في ظل تمسّك فرنسا بمستعمراتها السابقة الأفريقية؛ تبرز رغبات في مستعمراتها الحالية بكاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية بالتوجّه نحو الانضمام للصين. (كش ملك)- !
أدريس آيات*
عندنا مثلٌ أفريقي يقول: ” القط الذي يطمح بأن يصير أسدًا، عليه أولاً أن يتخلى عن شهيته للفئران”
خلال هذه المرحلة من تراجع النفوذ الاستعماري الفرنسي، تسعى بعض المستعمرات السابقة للتخلص من قبضة فرنسا. المجلة الفرنسية (Express)، في عددها الصادر يوم الثلاثاء 26 مارس 2024، نقلت عن سكان كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية تأكيدهم على وجود نسبة 25% من الأصول الصينية في تركيبهم الجيني، معربين عن رغبتهم في مغادرة فرنسا لأراضيهم في أسرع وقت ممكن، ليعودوا إلى “وطنهم”، الصين.
يثير هذا التطور سؤالاً: ما الذي يميز هذه المستعمرات عن غيرها مثل جوادلوب أو مارتينيك، بالإضافة إلى كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية؟
الإجابة تكمن في أن جوادلوب قد تدّعي ارتباطها بأصول أفريقية، لكن غياب قوة أفريقية تماثل الصين في القدرة العسكرية، الاقتصادية، والصناعية، يجعلها تستسلم للأمر الواقع.
أما بالنسبة لكاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية، فالوضع مختلف تمامًا. ففي اليوم الذي أعلنوا فيه عن انتمائهم الصيني ودعوا السفير الصيني في باريس لزيارتهم، اتخذت الصين خطوات جادة لتقديم الدعم لأحفادها، مؤكدة على عزمها للتدخل والمساندة.
يسلط مقال المجلة الفرنسية (Express) الضوء، بطريقة يمكن توصيفها بالماكرة، على أن الصين تنفذ استراتيجية محكمة الخطوات لاسترجاع أراضٍ كانت فرنسا قد استعمرتها منذ القرن الثامن عشر وحتى العام 2024.
ما أرغب في تسليط الضوء عليه هو التناقض الصارخ في استمرارية فرنسا بامتلاك مستعمرات في أقصى نقاط العالم، على بُعد تزيد عن 18,000 كيلومتر، وكأن هذا الأمر لا يثير استغراب أحد في عام 2024، حيث يُنظر إلى وجود مستعمرات تابعة لفرنسا كأمر معتاد!
بيد أن، هذا النوع من الرفاهية يأتي بتكلفة باهظة تجعل العملية عبئًا ثقيلًا وغير مجدٍ اقتصاديًا، لا سيما بالنسبة لفرنسا التي تواجه تحديات مالية عظيمة ولا يُتوقع أن تتحملها لمدة طويلة.
وفقاً لما يورده المقال، تعتمد كاليدونيا في اقتصادها بشكل كبير على الصين التي تستحوذ على الجزء الأكبر من موردها الرئيسي، النيكل. يستعمل هذا المعدن في مجموعة واسعة من التطبيقات، بما في ذلك إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ، سبائك الصلب المقاومة للحرارة، والطلاء الكهربائي، بالإضافة إلى دوره كمحفز في صناعة البتروكيماويات وكمصدر للطاقة الكيميائية في إنتاج بطاريات هيدروجين النيكل وبطاريات الكادميوم. ومع تقدم العلوم والتكنولوجيا، من المتوقع أن يزداد استخدام النيكل. والصين، في هذا السيناريو، تُظهر نفسها كالمشتري الرئيسي.
لكن حينما اختارت الصين التوقف عن الشراء، غرقت الجزيرة في أعماق أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، ووجدت باريس نفسها عاجزة عن التصدي لهذه الأزمة أو إيجاد حلول لها.
قد يكون هذا التحرك من الصين محاولة لإظهار لفرنسا أن مكانتها لم تعد إلا متوسطة وعلى طريق الأفول. ولكن، ما يبقى مؤكدًا هو أن نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الأحد في السنغال، والتي شهدت استبعاد جميع مرشحي باريس من الجولة الأولى، تُعد مصدر قلق كبير لفرنسا.
هذه الأحداث تشير إلى رفض عالمي للنفوذ الإمبريالي الفرنسي، لدرجة أنه لو أوصى عثمان سونكو بالتصويت لضفدع، بمجرد معارضته للفرنسيين، لحاز هذا الضفدع على منصب رئيس السنغال، وذلك بغض النظر عن الإساءة غير المقصودة للرئيس السنغالي الجديد بالطبع.
لسنوات طويلة، ظلت السلطات الفرنسية تعمل على إبقاء الأفارقة في حالة فقر، من خلال دعمها لقادة فاسدين وغير كفؤين، مع ترويجها عبر وسائل الدعاية كـ RFI وFrance 24 بأن الخطر الأكبر على الأفارقة هو توسع النفوذ الصيني والروسي. وتحذيرهم من احتمال الوقوع تحت الهيمنة الصينية. وقد وقع بعض القادة، كرئيس الكونغو الديمقراطية الحالي، في شباك هذه الأساليب.
لكن، أصبحت الشوارع الإفريقية والجماهير في القارة، من دولة إلى أخرى، تدرك أن البديل الوحيد لتجاوز عجزهم التكنولوجي ومعالجة مواردهم محليًا، يكمن في التعاون مع القوى الصاعدة التي تقدم شروط تعاون أكثر عدالة، بنسبة 50/50، بخلاف الشروط الإمبريالية التي تفرض تقاسم غير عادل بنسبة 10/90، بحجة أنهم يأتون بالخبرة والتكنولوجيا وعليهم القبول بما يُعرض عليهم، إذ بدون تلك القوى لا قيمة للموارد.
https://x.com/AyatIdrissa/status/1774178693142712684?s=20
2024-03-31