بريطانيا لا تستعجل الردّ… وبروكسل تتريّث: تعرفات ترامب تربك الحلف الغربي!
سعيد محمد*
تعهّد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، باتباع نهج «هادئ» تجاه قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فرض تعرفات جمركية، معتبراً أن حرباً تجارية بين بريطانيا والولايات المتحدة «لا تصبّ في مصلحة أحد». وقال ستارمر: «من المهمّ في مثل هذه اللحظة، ألّا تكون لدينا ردود فعل متسرّعة»، وذلك في معرض ردّه على دعوات زعيم «الحزب الديمقراطي الليبرالي» المعارض، إد ديفي، للحكومة، إلى العمل مع الاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين لتطوير إجراءات انتقامية، في ما سمّاه «تحالفاً اقتصاديّاً للراغبين». وشدّد ستارمر على أنه «ليس من المعقول القول إن الاستجابة الأولى لفرض التعرفات يجب أن تكون بالقفز إلى حرب تجارية مع الولايات المتحدة».
وعلى رغم تأكيد ستارمر أن بلاده على أهبة الاستعداد للتعامل مع جميع الاحتمالات، وأنها «لا تستبعد أيّ شيء عن الطاولة»، فهو أشار إلى أن محادثات بنّاءة تتقدّم بالفعل بين البلدين حول صفقة اقتصادية محتملة لتجنّب التعرفات الجمركية أو التخفيف منها. على أن ستارمر أقرّ، في لقاء جمعه في 10 داونينغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء بلندن) إلى مديري الشركات البريطانية الكبرى، ومن بينها «شل» و»باركليز» و»بنتلي»، بأن تعرفات ترامب «سيكون لها أثر اقتصادي سلبي على المملكة المتحدة والتجارة العالمية». وتابع: «تماماً كما في مسائل الدفاع والأمن، فإن العالم يدخل حقبة جديدة» في الاقتصاد والتجارة.
وتُعدّ الولايات المتحدة سوق تصدير رئيسية للعديد من ماركات السيارات البريطانية الفاخرة، بما في ذلك «بنتلي»، و»رولز رويس»، و»رينج روفر». وصدّرت المملكة المتحدة، العام الماضي، ما يقرب من 60 مليار جنيه إسترليني (حوالى 79 مليار دولار) من البضائع إلى السوق الأميركية، معظمها من السيارات والآلات والأدوية، فيما تقدّر المصادر الرسمية بأن حرباً تجارية مع أميركا ستتسبّب في تقلّص اقتصاد بريطانيا بنسبة 1%، وتمحو حوالى 10 مليارات جنيه إسترليني من حجم النمو الذي خطّطت له الحكومة. وعُلم في لندن، أمس، أن الحكومة البريطانية عرضت، في سياق المحادثات مع واشنطن، إلغاء أو تقليص ضريبة الخدمات الرقمية التي فُرضت في عام 2020، بنسبة 2% على إيرادات شركات التكنولوجيا الأميركية، بما في ذلك «غوغل» و»أمازون» و»مايكروسوفت»، علماً أن هذه الضريبة تجلب حالياً ما معدّله حوالى 800 مليون جنيه إسترليني إلى الخزانة.
ورداً على سؤال – في مقابلة تلفزيونية – عمّا إذا كان صحيحاً أن المملكة المتحدة وافقت على صفقة مع مسؤول أميركي لكنها تنتظر توقيع ترامب، أجاب وزير الأعمال، جوناثان رينولدز، بأن «هذا ليس وصفاً غير دقيق»، مشيراً إلى أن الصفقة تتضمّن جوانب أبعد من مسألة التعرفات، وتعالج مسائل مثل المحاصيل الزراعية، التي كانت موضع جدل في محادثات تجارية سابقة بين البلدين. لكنّ زميلته، وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، قالت – أمام لجنة برلمانية – إنّه «حتى لو تمّ التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، فهذا لا يعني أنّنا نَجَونا من الغابة ولن نتأثّر بالتداعيات من التعرفات الجمركية». ولفتت الوزيرة إلى أنّها على تواصل مع مفوّض الاقتصاد الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، في إطار المشاورات مع الدول الأخرى والاتحاد الأوروبي حول سبل الردّ.
ويخشى البريطانيون من أن إقليم إيرلندا الشمالية الخاضع لهم قد يتعرّض لانعكاسات سلبية في حال نشوب حرب تجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وبقي الإقليم جزءاً من السوق الموحّدة للسلع في الاتحاد الأوروبي بموجب صفقة تجارية بعد خروج بريطانيا من التكتّل قبل خمس سنوات. وفي هذا الإطار، حثّ جافين روبنسون، زعيم «الحزب الوحدوي الديمقراطي»، أكبر حزب مؤيّد للمملكة المتحدة في أيرلندا الشمالية، ستارمر على «اتخاذ خطوات لتجنيب أيرلندا الشمالية عواقب مثل تلك الحرب»، فيما قالت لندن إنّها على تواصل مع السلطات التنفيذية في بلفاست في هذا الشأن، وإن الحكومة تضع مصالح أيرلندا الشمالية في قائمة أولوياتها.
يتّهم ترامب، الاتحاد الأوروبي، باستهداف الولايات المتحدة بمعدّل تعرفات جمركية يبلغ 39%
من جهته، قال الاتحاد الأوروبي إنّه مستعدّ للردّ على تعرفات ترامب، لكنّه سيترك مهلة مدّتها أربعة أسابيع لإقناع الجانب الأميركي بإسقاط تعرفاته الجمركية البالغة 20% على الصادرات من القارة إلى السوق الأميركية. واستبعد مسؤولون في بروكسل (مقر الاتحاد)، تحدّثوا إلى صحف بريطانية، الإعلان عن ردود محدّدة قبل نهاية الشهر الجاري. وأفادت رئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، بأن التكتُّل «مستعدّ بالفعل للردّ» على التعرفات الأميركية، لكنها شدّدت على أنها تفضّل التفاوض لـ»إزالة أيّ حواجز متبقّية أمام التجارة عبر جانبَي الأطلسي». كذلك، اعترفت بأن بعض الدول «تستفيد بالفعل بشكل غير عادل» من قواعد التجارة العالمية، معبّرة في الوقت نفسه عن قناعتها بأن «فرض التعرفات الجمركية لن يحلّ تلك التفاوتات»، محذّرةً من أن هذه الرسوم «ستضرّ أساساً بالمستهلكين في جميع أنحاء العالم وترفع تكلفة المواد الاستهلاكية والأدوية والنقل، ما سينعكس سلباً بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك اقتصاد الولايات المتحدة نفسها».
ويتّهم ترامب، الاتحاد الأوروبي، باستهداف الولايات المتحدة بمعدّل تعرفات جمركية يبلغ 39% بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة التي تصل إلى 27% في بعض الدول الأعضاء، وبرسوم إضافية مفروضة على واردات الدجاج المغسول بالكلور، وسلع زراعية أخرى لا تتطابق مواصفاتها الصحية مع تلك المعتمدة في دول الاتحاد. وكان هذا الأخير قد صدّر إلى الولايات المتحدة، في عام 2023، سلعاً بقيمة 503 مليارات يورو، ما أدّى إلى فائض تجاري لديه قدْره 157 مليار يورو، لكنه يعاني من عجز قدره 109 مليارات يورو في مجال الخدمات.
وقالت رئيسة المفوّضية التي كانت في رحلة إلى أوزبكستان: «نحن بالفعل نضع اللمسات الأخيرة على حزمة أولى من الإجراءات المضادة رداً على التعرفات الجمركية على الصلب والألمينيوم التي ستدخل حيّز التنفيذ منتصف الشهر الجاري»، وأضافت: «نستعدّ الآن لمزيد من الإجراءات المضادة لحماية مصالحنا وأعمالنا إذا فشلت المحادثات». ومن المقرّر أن تفرض بروكسل رسوماً إضافيّة على ما يصل إلى 26 مليار يورو من السلع الأميركية الواردة إلى السوق الأوروبية، رداً على الرسوم الجمركية على الصلب والألمينيوم، لكنها لا تتضمّن ردّاً على تعرفات جمركية أعلن عنها، الأسبوع الماضي، بنسبة 25% على صادرات السيارات. ويأمل الزعماء الأوروبيون في أن تؤدّي المحادثات مع الجانب الأميركي إلى تعليق فرض التعرفات ريثما يتمّ التوصّل إلى اتفاق تجاري مفصّل بين الجانبين.
وتعهّدت فون دير لايين بأن الاتحاد الأوروبي سيدافع عن صناعاته المستهدفة، بما في ذلك السيارات والصلب، ويحمي سوقه من الإغراق من قِبَل المصدّرين الذين يحاولون تعويض تراجع مبيعاتهم في السوق الأميركية عبر عرض بضائعهم في السوق الأوروبية بأسعار أقل. وقالت: «سنراقب أيضاً عن كثب الآثار غير المباشرة التي يمكن أن تحدثها هذه التعرفات لأنّنا لا نستطيع استيعاب الفائض العالمي، ولن نقبل الإغراق في أسواقنا»، مؤكّدة أن أوروبا «لديها كل ما تحتاج إليه لاجتياز العاصفة». لكنّ خبراء قالوا إن عرض القوّة الذي تقوم به رئيسة المفوّضية، لا يعكس موازين القوى الواقعية مع الجانب الأميركي الذي يهيمن عسكريّاً على القارة، بالإضافة إلى افتقار المصدّرين الأوروبيين إلى أسواق بديلة يمكن أن تعوّضهم عاجلاً عن تراجع حجم أعمالهم المتوقّع في السوق الأميركية.
وعليه، تحدّثت جهات متعدّدة عن جهود تبذلها دول أعضاء في الاتحاد لحماية صناعاتها الوطنية من إجراءات انتقامية أميركية في حال توسّع الحرب التجارية بين بروكسل وواشنطن، إذ تضغط فرنسا مثلاً من أجل تجنيب ويسكي البوربون الرسوم المضادة، في حين تريد أيرلندا استبعاد منتجات الألبان، وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، من جهتها، إنها ستسعى إلى العمل مباشرة مع الرئيس ترامب «لمنع نشوب حرب تجارية مع الولايات المتحدة».
لندن
2025-04-05