الوطنية والديمقراطية: ركنان متلازمتان لمشروع استرداد الدولة!
جمال الطاهات
أثبتت تجربة الربيع العربي، بأنه لا يمكن بناء دولة ديمقراطية دون الحفاظ على المقدرات الوطنية والهياكل المؤسسية المركزية في الدولة. كما أن حصاد مشروع الاستقلال العربي منذ منتصف القرن العشرين، أثبت أنه لا يمكن استكمال التحرر الوطني دون ديمقراطية، والحديث عن الوطن وحفظ مقدراته، والتعبير عن وجدان شعبه، وخدمة مصالحه لا يمكن أن يتحقق دون ديمقراطية، ودون ضمانات حقيقية لاستقلال الضمير المهني لمؤسسات الدولة.
جناحا حركة استرداد الدولة هما: تعزيز الاستقلال الوطني، وبناء الدولة الديمقراطية. نسمع كل يوم جعجعة المستبد الفاسد بالحديث عن الوطن، في ذات الوقت الذي يقوم مع عائلته بإذلال أبناء الوطن وسرقة مقدراته. وخطاب المستبد الفاسد الممجوج بالحديث عن الوطن، وتراب الوطن، وعَلَم الوطن، في ذات الوقت الذي يخالف الدستور، ويهين إرادة الشعب الأردني ويخاطب الأمة ونوابها كما لو كانوا موظفين عنده، معزوفة لم تعد تنطلي على أحد.
كذب وتدجيل وخيانة، الحديث عن الوطن كمفهوم مجرد، والصمت عن انتهاك حقوق المواطن وحرياته. خيانة للوطن والشعب أن يتم التغني بالوطن وترابه وعَلَمه، في الوقت الذي يسجن الكتّاب بسبب منشور على الفيس بوك. فساد واستعباد أن يتم التغني بالوطن، في زمن تحولت فيه حقوق الأردنيين إلى مكارم من مستبد فاسد وعائلته الذين امتهنوا سرقة مقدرات الشعب.
في المقابل، لا يمكن الحديث عن ديمقراطية في الفراغ، دون وطن. لا ديمقراطية دون مؤسسات وطنية تتمتع باستقلال ضميرها المهني، وقادرة على حماية الاستقلال الوطني. لا فضاء لتمكين الأردنيين من التمتع بحريتهم وبحقوقهم إلا بوجود وطن حر مستقل آمن.
حماية الوطن وترسيخ الديمقراطية، ركنان متلازمان، التخلي عن أحدهما هو تفريط بكلاهما معاً. ينهار الوطن ويصبح عرضة لكل آفاق ذميم إذا غابت الديمقراطية. ويستحيل عملياً بناء دولة ديمقراطية والحفاظ عليها دون وطن مصان ومسيج بصدور أبنائه.
حركة استرداد الدولة قائمة على ركنيين متكاملين: الأول تعزيز الاستقلال الوطني، وهذا يتحقق ويترسخ بحماية مؤسسات الدولة وصيانة استقلال ضميرها المهني. والثاني الديمقراطية التي تتحقق بضمانات دستورية وقانونية لحماية حريات وحقوق كل مكونات الشعب الأردني. ولا يمكن أن يتحقق أي منهما إلا بالآخر.
المستبد الفاسد وعائلته، الذين يحكمون معتمدين على الدعم الخارجي، هم من تواطأوا مع العدو الخارجي، وهم من فرطوا بالمقدرات الوطنية، ولا يمكن حماية الوطني ضد التهديدات الخارجية في ظل حكم عائلة. ولا يمكن دعم نضال الشعب الفلسطيني من قبل شعب محكوم لعائلة، تتعاون مع اليمين الإسرائيلي لمنع إقامة الدولة الفلسطينية. لا يمكن حماية الأردن من أطماع اليمين الإسرائيلي في ظل حاكم فرد مستبد فاسد، يستند إلى دعم اليمين الإسرائيلي لتعزيز حكمه، ويقوم بإذلال الشعب الأردني ونهب مقدراته.
ثورات الاستقلال الوطني، قامت لتحقيق هدفين: الأول استرداد كرامة الشعوب وحمايتها من إذلال وتعالي قوى الاستعمار. والثاني تمكين الشعوب من حقوقها بمواردها الوطنية. كرامة الشعب الأردني لا يصونها مستبد فاسد ركز كل الصلاحيات بيديه كما لو كان ممثلاً للمركز الاستعماري في النصف الأول من القرن العشرين. وتمكين الشعب الأردني من التمتع بحقوقه وبموارد بلاده، لن يتحقق في ظل حكم فرد وعائلته الذين يتسابقون لنهب موارد الدولة.
كذاب أشر الحاكم الذي يدعي حماية الوطن، ويحول الجيش والأجهزة الأمنية لحمايته، وحماية فساد أقاربه وحواشيهم. فالنتيجة هي، أنه لم يحرر الوطن، ولم يصن كرامة الشعب، وهدر الموارد وبددها، كما بدد طاقات شعبه وحول المنتجين منهم إلى مهاجرين ومتسولين. وشريك له في الكذب والخداع، من يطالب بالديمقراطية محمولاً على قوى استعمارية. مُدّعٍ وكاذب، من يقول بأنه يريد التخلص من المستبد الفاسد بالتعاون مع إسرائيل، أو غيرها من القوى الاستعمارية.
التفاعل مع المشهد الدولي من قبل قوى التغيير في الأردن والعالم العربي، مسألة مفهومة، ولكن إجراء المساومات مع هذه القوى، وتحول قوى الثورة إلى ممثلين للشعب يتباحثون نيابة عن الدولة الأردنية ومؤسساتها، هذا يتناقض مع جوهر حركة الربيع العربي، القائمة على تمكين الشعب من استرداد دولته سلطة وموارد وبناء دولته الحقيقية التي تعبر عن وجدانه وتخدم مصالح كل أبنائه، وتمكنهم من حقوقهم.
الثوار، ليسوا ممثلين للشعب، وليس لهم أي صفة تمكنهم من الحديث باسم الشعب ونيابة عنه. الثوار يُضحون من أجل شعوبهم. هدف الثوار تمكين الشعب من استرداد دولته سلطة وموارد، وضمان أن تكون إرادة الشعب هي النافذة في وطنه، لا إرادة تعلو على إرادة الشعب في وطنه. الذي يتحدث باسم الشعب ويتباحث مع العالم، ويبرم الاتفاقيات (التي يجب أن تكون علنية)، هم ممثلو الشعب المنتخبون والخاضعون للرقابة الشعبية.
لا معنى لمشروع وهدف استرداد الدولة سلطة وموارد، إن كان هناك من يفكر بأنه سيسيطر على هذه الدولة ويحكم دون مؤسساتها التي تتمتع باستقلال ضميرها المهني. خلع المستبد الفاسد (ليس لاستبداله بمستبد فاسد جديد)، وإنما هو ضرورة لتمكين الشعب من استرداد دولته سلطة وموارد. وعنوان التخلص من الاستبداد والفساد، يتطلب الإنفاذ الحاسم لمبدأين: الأول “لا سلطة إلا بتفويض شعبي”. والتفويض الشعبي هو بحكم تعريفه (ظرفي ومؤقت) ولا وسيلة لضمانته إلا بالانتخابات الحرة النزيهة. والثاني “تلازم السلطة والمسؤولية”، وهذا يعني لا سلطة دون رقابة شعبية ودون مساءلة. فمن يفوضه الشعب ليحكم (بانتخابات حرة ونزيهة) خلال فترة محددة، يجب ألا يكون محصناً، ويجب أن يكون بحكم القانون والدستور خاضعاً للرقابة الشعبية، وخاضعاً للمساءلة. والثوار يحكم تعريفهم ومهمتهم التي قبلوا التصدي لها، لا سلطة لهم، لا قبل سقوط المستبد الفاسد وعائلته ولا بعد اسقاطهم. لا سلطة للثوار إلا إذا تم انتخابهم بانتخابات حرة ونزيهة، عندها يصبح الثوار ممثلين للشعب وخدماً لشعوبهم. ولكن قبل تميكن الشعب من استرداد دولته، لا سلطة للثوار تحت أي مبرر كان.
أخيراً، لا بد من التذكير، بأن الحركة الوطنية الديمقراطية الأردنية، لها هدفان متكاملان، لا معنى لها إن فرطت بأي منهما. حماية الوطن وتعزيز استقلاله، وتمكين الشعب من استرداد دولته سلطة وموارد وبناء الدولة الحقيقية الديمقراطية. والتهاون بأي من الركنين تفريط بهما معاً. فلا يمكن حماية الوطن حراً أبياً بلا شعب حر، ولا يمكن صيانة حرية الشعب وضمان أن تكون دولته تعبيراً عن قيمه العليا وفي خدمة مصالحه بلا وطن يحميه أبنائه بالغالي والنفيس.
2024-12-28
