المؤرخين الجدد من اليهود!
علي رهيف الربيعي
نشأ جيل جديد من المؤرخين الإسرائيليين اطلق عليهم ” المؤرخون الجدد ” الذين شرعوا في كتابة التاريخ الحقيقي لإنشاء دولة الكيان، وكشفوا فيه – لأول مرة من الجانب الإسرائيلي عن كل الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني قبل إنشاء الكيان، وبعد إعلان قيام دولة الكيان. وقد أحدثت هذه الكتابات ضجة شديدة داخل إسرائيل، لأنها تكفلت لأول مرة بنزع الوعي الزائف الذي ساد بين أفراد المجتمع الإسرائيلي ، والذي ركز على شرعية إنشاء الكيان، واخلاقية السياسات الإسرائيلية ، وإخفاء الجرائم التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.
هناك في هذه الكتابات دراسات تفصيلية عن المذابح الإسرائيلية التي ارتكبت ضد سكان عدد من القرى الفلسطينية، وعن عمليات التهجير القسري للسكان، وعن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية عنوة واغتصابا. وهكذا في مقابل التاريخ الرسمي الصهيوني لابد أن نضع التاريخ غير الرسمي ، أو لنقل التاريخ الحقيقي لكي نعرف ماذا حدث في التاريخ.
ونستطيع ان نضيف إلى جهود المؤرخين الجدد الإسرائيليين الذي ينبغي أن نترجم كتبهم إلى العربية، مذكرات بعض الساسة الإسرائيليين وعلى رأسهم موشي شاريت. وهذه المذكرات من أهم المذكرات السياسية الإسرائيلية قاطبة، لأنها كتبت بدقة تاريخية نادرة من قبل زعيم صهيوني مرموق، كان له تاريخه الصهيوني الحافل، بالإضافة إلى أنه كان رئيسا لوزراء إسرائيل في مرحلة تاريخية حرجة.
وقد تسرب نبأ هذه المذكرات التي أوصى شاريت بألا تنشر إلا بعد وفاته إلى صحيفة إيطالية اسمها ليفيا روكاح ، نشرت مقتطفات منها بالإيطالية وترجمت إلى الإنجليزية ، وقد أثار نشرها ضجة لأنها كشفت عن الخطط الإسرائيلية المبكرة الهادفة إلى تقسيم لبنان ، وكان ذلك في إحدى اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي عام ١٩٥٠ ، في إطار مشروع لتقسيم الدول العربية وتشجيع الأقليات على الانفصال عن الدول الأم . ويلفت النظر بشدة ان هذه الصحفية الإيطالية لقيت مصرعها في حادث غامض بعد فترة قصيرة من نشرها الكتاب.
وبعد سنوات من وفاة شاريت قام ابنه بإعداد المذكرات للنشر تنفيذا لوصية ابيه ، غير ان الحكومة الإسرائيلية منعت نشر الكتاب . فما كان من الابن إلا أن رفع و دعوى أمام محكمة إسرائيلية ، ألغت قرار المنع وسمحت له بنشر الكتاب باللغة العبرية، ولم تصدر له اية ترجمة للغات الأجنبية ، وقد صدرت له ترجمة عربية دقيقة . ويمكن القول ان هذا الكتاب هو أخطر وثيقة إسرائيلية ، تكشف عن أسرار العقل الاستراتيجي الإسرائيلي وكيف يعمل، ويفصل، بالإضافة إلى ذلك ، في خلفيات القرارات العسكرية والسياسية الإسرائيلية . ويكشف الكتاب عن تأثير بن جوريون المطلق على إصدار القرار الاستراتيجي الإسرائيلي، بالرغم من اعتزاله السياسة وانعزاله في احد الكيبوتزات . كما يحكي عن أن الوزراء كانوا يحجون إليه لاستشارته في كل القرارات الأساسية ، وكيف ان بن جوريون اعتمد على موشي دايان لتنفيذ قرارات عدوانية خطيرة موجهة ضد مصر ، وضد جمال عبد الناصر وسياساته . وهي قرارات كانت تبادر بالعدوان بغير اي مبرر من سياسات مصرية ضد إسرائيل ، ولعل أخطرها الغارة الإسرائيلية المفاجئة ضد غزة ، والتي ادت إلى تحول خطير في السياسة المصرية ، من ناحية ضرورة تسليح الجيش المصري بأحدث الأسلحة ، التي كانت الخطوة العملية لها صفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة .
يصور موشي شاريت نفسه في هذه المذكرات بكونه كان يهدف إلى تطبيق سياسة سلام مع مصر ومع العرب بشكل عام ، غير انه جوبه بمعارضة شديدة من قبل بن جوريون ، وصور باعتباره جبانا غير قادر على اتخاذ القرار. وأخضعوه لضغوط شديدة، انتهت بدفعه إلى الاستقالة حتى ينفرد الصقور بعملية اتخاذ القرار.
2026 /03 /14