الفخّ المركّب وتأصيل الشر: من تصريح نتنياهو إلى ما بعد الأخلاق – الحرب الشاملة كإعادة تعريف للخير والشر!
غانية ملحيس*
أولا: تصريح صادم في سياق إقليمي متفجّر
في تسجيل نشر على منصة اكس في 19/3/2026 قارن بنيامين نتنياهو بين السيد المسيح عليه السلام وجنكيز خان قائلا:
“ليس ليسوع المسيح أي أفضلية على جنكيز خان. لأنه إذا كنت قويا بما فيه الكفاية، وقاسيا بما فيه الكفاية، وذا نفوذ كاف، فسوف يتغلب الشر على الخير.”
https://x.com/disclosetv/status/2034713271517794575?s=20
على مستوى الحدث الفردي، يبدو التصريح زلة خطابية مثيرة للجدل. لكن عند وضعه في سياق الحرب الشاملة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل على فلسطين ولبنان وإيران وعموم المنطقة، يتضح أن هذا الخطاب ليس معزولا: بل هو جزء من سردية الحرب بين الخير والشر، التي تعمل على تبرير العدوان السياسي والعسكري على المستوى الإقليمي.
المقارنة بين يسوع المسيح عليه السلام رمز المحبة والسلام، وبين رمز العنف والتوسع الدموي جنكيز خان، ليست مجرد زلة خطابية.
الجمع بينهما هو قلبٌ للمعنى: تحويل رمز السلام إلى صورة لتبرير العنف. فهذا النوع من التشبيه يُستخدم لإحداث صدمة ذهنية، ودفع المتلقي لإعادة النظر في “السرديات الأخلاقية” السائدة. لا يُقرأ هذا التصريح بوصفه حكما أخلاقيا مباشرا، بل كبنية خطابية مركّبة تتكوّن من ثلاث طبقات:
1. البنية المقارِنة
المقارنة بين المسيح رسول السلام والسفاح جنكيز خان لا تعمل بوصفها مقارنة تاريخية، بل كآلية تفكيك للثنائية الأخلاقية (الخير/الشر)، حيث يتم نزع الامتياز الأخلاقي عن رمز الخير، عبر وضعه في مستوى واحد مع رمز العنف.
2. شرطية القوة
الجملة المركزية تقوم على منطق شرطي: القوة والقسوة والنفوذ تعني تغلّب الشر على الخير، وهنا يتم الانتقال من أخلاق معيارية إلى منطق نتيجي تُحسم فيه القيم عبر القدرة وليس المبدأ. 3. إزاحة مركز الحكم
لم يعد الحكم الأخلاقي سابقا للفعل، بل يصبح الفعل (القوة) هو ما ينتج الحكم. وبذلك تتحول الأخلاق من معيار إلى نتيجة.
غير أن دلالة التصريح لا تتحدد فقط بمضمونه، بل أيضا بكيفية إدارته لاحقا في المجال العام.
ثانيا: إدارة المعنى بعد الصدمة (من التصريح إلى إعادة التأطير)
لا تكتمل قراءة تصريح نتنياهو عند حدود بنيته الصادمة، بل تمتد إلى المرحلة اللاحقة التي أعاد فيها تأطير كلامه بوصفه استشهادا بطرح المؤرخ ويل دورانت. هذه الحركة لا تمثل تراجعا بسيطا، بل تكشف عن آلية خطابية أكثر تعقيدا يمكن تسميتها: “إدارة المعنى بعد الصدمة”.
في هذه الآلية، لا يتم سحب التصريح أو نفيه، بل يُعاد تفسيره ضمن إطار معرفي مختلف، ينقله من مستوى الرأي السياسي المباشر إلى مستوى “الاقتباس التاريخي” أو “التأمل الفكري”.
تمر هذه العملية بثلاث خطوات مترابطة:
- إنتاج الصدمة: عبر مقارنة حادة تفكك البنية الأخلاقية التقليدية.
- إثارة الجدل: بما يضمن انتشار الخطاب وتداوله على نطاق واسع.
- إعادة التأطير: عبر إحالته إلى مرجعية فكرية، بما يخفف من حدّته دون إلغاء أثره.
بهذا المعنى، لا يُفهم التصريح بوصفه خطأ خطابيا، بل كجزء من دورة إنتاج المعنى في الخطاب السياسي، حيث تُستخدم الصدمة كأداة، ويُستخدم التفسير اللاحق كآلية ضبط، دون التراجع عن الأثر البنيوي الأولي للتصريح.
تتقاطع هذه الآلية مع ما يطرحه نورمان فيركلو حول إعادة إنتاج الخطاب، ومع تصور تون أ. فان ديك لدور السياق في التحكم في التأويل، حيث لا تُفهم العبارات بمعزل عن إدارة تداولها لاحقا.
ثالثا: تأصيل الشر عبر الاستشهاد التاريخي
يُظهِر التصريح نموذجا حيا لما يمكن تسميته: “تأصيل الشر عبر الاستشهاد التاريخي” وهو نمط خطاب يُستدعى فيه التاريخ لإضفاء شرعية على العنف، وتحويله من خيار استثنائي إلى منطق مشروع في السياسة. في هذه الحالة، نجد:
- استدعاء التاريخ والمقارنة بين شخصية أخلاقية عالمية وشخصية عنيفة،
- نزع التفوق الأخلاقي عن القيم العليا،
- تقديم القوة كعامل حاسم،
وبذلك تصبح الحرب الشاملة، وفق السردية الأمريكية-الإسرائيلية، “خيرا مشروعا”.
لا يقتصر هذا النمط الخطابي على الحالة الإسرائيلية الراهنة، بل يمتد إلى تجارب سابقة في الخطاب الأمريكي والغربي عموما. فقد أعاد التصريح الشهير للرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن عام 2002 “محور الشر” تشكيل العالم ضمن ثنائية أخلاقية حادة. بينما ألغى خطابه بعد 11/9/2001 “من ليس معنا فهو ضدنا” أي حيّز للحياد، ممهدا لتبرير الحرب بوصفها ضرورة أخلاقية.
كما قُدّمت حرب العراق تحت شعار نزع سلاح الدمار الشامل وعندما ثبت زيف الادعاء استبدل بنشر الديمقراطية، وتم تبرير الحرب في أفغانستان بوصفها دفاعا عن الإنسانية، وبرر نتنياهو الإبادة الجماعية في قطاع غزة بأنها حرب “أبناء النور ضد أبناء الظلام”. وبرر دونالد ترامب حروبه التوسعية في امريكا اللاتينية بالحرب على المخدرات، وعلى فلسطين ولبنان وإيران بالحرب على الإرهاب والاستبداد. وكما تم تبرير الممارسات الوحشية مثل التعذيب والاغتصاب والقتل في سجن جوانتنامو الأمريكي، وسديه تيمان الإسرائيلي ضمن منطق الضرورة الأمنية.
بذلك، يتضح أن التصريح ليس حادثة منعزلة، بل جزءا من نمط متكرر من الخطاب السياسي الأمريكي – الغربي – الإسرائيلي، الذي يُعيد إنتاج مفهوم القوة والشرعية عبر التاريخ.
في جميع هذه الحالات، لا يُلغى الخطاب الأخلاقي، بل يُعاد توظيفه لتأصيل العنف، وتحويله إلى أداة مشروعة ضمن بنية سياسية تدّعي الدفاع عن الخير.
يمكن تفكيك هذا النمط إلى عمليات خطابية متكررة:
• التفريغ: تفريغ الرموز الأخلاقية من معناها الثابت
• التسوية: وضع المتناقضات في مستوى واحد
• الشرطنة: ربط القيم بشرط القوة
• إعادة الترميز: تحويل النجاح إلى معيار للخير
وبذلك، لا يتم تبرير العنف فقط، بل إعادة تعريفه لغويا كفعل مشروع.
رابعا: آلية التحوّل
للمزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/92298/23/3/2026
2026-03-26