“الشارع السوري كـ مرجعية ومؤشر” التعبئة السياسية وضرورات بناء التوافق الوطني في سورية!
أمجد إسماعيل الآغا*
انطلقت الأزمة السورية من بؤرة مركبة من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، متأثرة بتفاعلات داخلية مع تدخلات إقليمية ودولية متعددة الأبعاد، وما بدأ كحراك شعبي يطالب بالحرية والكرامة تحوّل إلى صراع شامل أعاد تشكيل مفاهيم السيادة والوحدة الوطنية في سوريا، وخلّف تداعيات إنسانية وسياسية عميقة لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل سوريا. في هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري حول دور الشارع كرافعة للتحول السياسي، وهل يكفي التعبير الشعبي في تحديد مسارات الحل، أم أن الحل السياسي الشامل يتطلب بناء توافق وطني يتجاوز اللحظات العاطفية والانقسامات الفئوية؟.
بهذا المعنى يمثّل الشارع السوري بما يحمّله من دعوات وشعارات، فضاءً تعبيريًا أساسيًا يعكس حالة الوعي الجمعي الاجتماعية والسياسية المتراكمة عبر سنوات من الأزمة المستفحلة، إلا أن الوقوف عند حدود هذه المطالب التي يرفعها الشارع السوري، إن لم تكن ضمن السياق الواقعي والاستراتيجي، قد يقود هذا إلى فهم مبسط أو مجتزأ لمسار الأزمة السورية الذي نشأ وتطور في بيئة محكمة التعقيد والتشابك، حيث تتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
الدعوات إلى النزول إلى الشارع وإن أُطرَت بالخطاب الوطني الواعد بوحدة الأرض ورفض التقسيم، لا يمكن بمفردها أن تشكل محركًا قويًا للاستقرار أو الحسم السياسي، فهي ذات طبيعة تعبيرية وتعبّر عن لحظة عاطفية أو استجابة مباشرة لأحداث آنية، لكنها تفتقر إلى الأفق السياسي الشامل الذي تحتاجه الدولة والشعب. الشارع، في جوهره، يعبر عن رؤى وأطياف اجتماعية وسياسية غير متجانسة، وأحيانًا متضاربة، تتأثر بمصالح فئوية وأحيانًا حزبية أو طائفية، وهذا يجعل ما يطرحه الشارع مؤشرًا على مجموعة من الرغبات السياسية الذاتية أكثر منه مسارًا محددًا لمآلات الأزمة.
الواقع السوري يعكس أزمة معقدة من النوع الذي لا يمكن معالجته بإجراءات ترقيعية أو استجابات مفتوحة للتوترات الشعبية فقط، بل يتطلب دخول مرحلة جذرية نحو حل سياسي شامل ومتوازن؛ نتيجة لذلك إن الحلول السياسية الناجعة يجب أن تنطلق من قاعدة وطنية جامعة، تحترم الظروف الموضوعية للبلاد، وتلمس واقع التعدد الاجتماعي والاختلالات السياسية والاقتصادية، وبهذا فإن الحل الجذري يكمن في الحوار الوطني الشامل، الذي لا يُعنى فقط بمراكمة المطالب الشعبية، بل بالتوافق على خارطة طريق وطنية قادرة على تفكيك الأزمة بصورة تدريجية ومتدرجة، تأخذ في الاعتبار كل الأطراف والفاعلين الداخليين.
في هذا الإطار، يجب أن تُؤسس العمليات السياسية على مقتضيات ضرورية تمثلها مصالح الوطن العليا، وليس فقط التشكيلات أو القوى التي تدفع الشارع لاتخاذ مواقف معينة. الضرورات الوطنية في هذا الإطار هي البوصلة التي تحدد مسارات الحل، فعندما يتحقق الإجماع الوطني الحقيقي، يحمل في طياته رؤية متماسكة لبناء دولة مدنية عادلة تحفظ حقوق الجميع دون تمييز، وترسخ أسس المصالحة الوطنية التي تعيد الثقة بين مكونات النسيج الاجتماعي.
لا يعني ذلك تقليلاً من أهمية التعبير الشعبي، فهو حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي، لكن هذا التعبير يجب أن يتحول إلى جزء من منظومة عملية سياسية متكاملة تضمن عدم اختطاف الحراك الشعبي من قبل أجندات ضيقة أو فتنوية. الشارع هو مؤشر رصد للرغبات والتوجهات ولكن ليس صانع السياسة بحد ذاتها، فصناعة السياسة تتطلب أدوات تنظيمية وأطر قانونية وإدارية تتجاوز تعبير اللحظات الوطنية العاطفية.
أي حل سوري مستدام لا يمكن أن ينبع من تحركات عفوية أو ردود فعل شعبية متفرقة، بل يجب أن يستند إلى مبادئ وطنية ثابتة ويتم تدعيمه عبر حوار وطني شامل يعطي مساحة متساوية لجميع المكونات، ويعمل على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويضمن العدالة والمساواة. هذا المسار لا يلغي ضرورة الإصغاء لمطالب الشارع، لكنه يؤطرها ضمن استراتيجية سياسية واقعية بعيدة عن الارتجال والمطامح الحزبية، وتأخذ في حسبانها التفصيل الدقيق في تركيب الأزمة وأبعادها.
إن الدعوات إلى النزول إلى الشارع، مهما كانت مبرراتها الوطنية، لا يمكن أن تكون وحدها مفتاح الحل للأزمة السورية، فهي تعبّر عن حالة تراكمية من الاحتقانات والرغبات السياسية، لكنها لا تملك الأدوات الكافية لرسم استراتيجية شاملة تتجاوز الانقسامات وتضمن الاستقرار، كما أن الحل السياسي الحقيقي لا ينبع فقط من مطالب الشارع، بل من ضرورات وطنية تفرض نفسها على كل الأطراف، وتحتاج إلى حوار وطني شامل يجمع كل المكونات، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية أو الطائفية.
الشارع، إذًا ليس صانع السياسة بذاته، فالسياسة تتطلب رؤية استراتيجية وتوافقًا وطنيًا وبناءً مؤسسيًا يضمن العدالة والمساواة للجميع. وبالتالي، لا يمكن لأي حل سوري أن يكون مستدامًا إلا إذا استند إلى إجماع وطني حقيقي، وحوار شامل يأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع السوري وتحدياته الجذرية، ويعمل على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويضمن العدالة والمساواة لجميع مكونات النسيج الاجتماعي.
باختصار، إن استحضار تحديات الواقع السوري وتعقيداته يحتم الابتعاد عن التفسيرات التي تعتمد فقط على التأييد الشعبي، والتركيز على بناء توافق وطني يفرز حلًا سياسيًا شاملًا، يمهد لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، ويراعي تنوع الوطن ومكوناته وأحقية الجميع في المشاركة الفعالة ضمن هذا البناء الوطني.
كاتب وباحث سياسي
2025-11-30