الدكتور محمد جواد فارس… بين السياسة والطب!
كتابة رحيم الحلي
في تاريخ العراق الحديث شخصيات كثيرة جمعت بين المهنة والعمل العام، لكن قلةً منها استطاعت أن تترك أثراً إنسانياً يتجاوز حدود الانتماءات السياسية والخلافات الفكرية. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الدكتور محمد جواد فارس، الطبيب والكاتب والناشط السياسي الذي ارتبط اسمه لعقود طويلة بالحركة الوطنية العراقية وبحياة العراقيين في المنافي، وظل حاضراً في ذاكرة كثيرين بوصفه طبيباً وإنساناً قبل أي صفة أخرى.
عرفت اسم الدكتور محمد جواد فارس قبل أن أتعرف إليه شخصياً في دمشق أوائل الثمانينيات. كان يومها من الأسماء المعروفة بين العراقيين المقيمين في سوريا، ليس فقط بسبب نشاطه السياسي وانتمائه إلى الحركة الشيوعية العراقية، بل بسبب سمعته الإنسانية الواسعة. فقد كان طبيباً يلجأ إليه العراقيون بمختلف اتجاهاتهم السياسية والقومية والدينية، دون أن يسأل أحداً عن انتمائه أو خلفيته الفكرية. كان يرى في المريض إنساناً يحتاج إلى المساعدة قبل أي شيء آخر.
ولد محمد جواد فارس في مدينة الحلة عام 1947، في منطقة التابية بمحلة المهدية. وكان والده جبار صاحب مقهى صغير قرب سوق المخضر. انتمى مبكراً إلى الحركة الطلابية والوطنية العراقية، قبل أن يتجه إلى دراسة الطب ويتخصص في الطب الباطني. ومع مرور السنوات أصبح واحداً من الوجوه المعروفة في الأوساط السياسية والثقافية العراقية، وارتبط اسمه بالحركة الشيوعية العراقية وما شهدته من تحولات وصراعات فكرية وتنظيمية امتدت لعقود طويلة.
في عام 1985 كان الدكتور محمد جواد فارس واحداً من مجموعة من الكوادر والأعضاء، كنت أحدهم، الذين أُبعدوا عن الحزب الشيوعي العراقي إثر خلافات داخلية تتعلق بتقييم التجربة السياسية للحزب والخلاف مع قيادته. وكانت تلك المرحلة من أكثر مراحل المعارضة العراقية تعقيداً، حيث تداخلت الخلافات الفكرية مع الصراعات التنظيمية والاختراقات الأمنية التي عمل النظام العراقي آنذاك على تغذيتها وإذكائها بهدف إضعاف خصومه وتشتيت صفوفهم.
لقد كانت المعارضة العراقية في تلك السنوات تضم الوطنيين الصادقين، والقوى الدينية والقومية التي لا تؤمن بمفهوم الوطن، وكذلك الانتهازيين والنفعيين الباحثين عن دور سياسي، إضافة إلى المجندين من مخابرات صدام للتجسس والتخريب. ولهذا يصعب إصدار أحكام قاطعة على تلك المرحلة أو على جميع من شاركوا فيها. غير أن كثيراً من الذين انتقدوا قيادة الحزب الشيوعي كانوا يفعلون ذلك بدافع الحرص على مستقبل الحركة الوطنية العراقية، وقد تكون لبعضهم أغراض أخرى.
وقد وثق الدكتور محمد جواد فارس جانباً مهماً من تجربته السياسية والفكرية في كتابه المعروف “نصف قرن في رحاب الحركة الشيوعية”، الذي تحول إلى شهادة شخصية على مرحلة طويلة من تاريخ العراق السياسي. وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا يقدم سرداً للأحداث فقط، بل يعكس أيضاً رؤية أحد المشاركين فيها، بما لها وما عليها، وهو ما جعل الكتاب يثير اهتماماً واسعاً ونقاشات متعددة بين المؤيدين والمنتقدين.
وفي أواخر التسعينيات أثار الدكتور محمد جواد فارس جدلاً واسعاً عندما شارك مع عدد من الشخصيات العراقية في زيارة إلى بغداد وإجراء حوار مع نظام صدام حسين. وقد كنت من المعارضين لتلك الخطوة، وما زلت أراها غير موفقة سياسياً. فقد كنت أعتقد أن الحوار مع سلطة لا تؤمن بالحوار ولا تقبل الرأي المختلف لا يمكن أن يفضي إلى نتائج حقيقية، وأن النظام كان يسعى إلى استثمار مثل هذه اللقاءات لتحسين صورته أكثر من سعيه إلى مراجعة سياساته أو الاستماع إلى الرأي الآخر.
وبعد عام 2003 فوجئت برؤية محمد جواد فارس ضمن أطر سياسية ضمت قوى إسلامية وقومية رفعت شعار مقاومة الاحتلال الأمريكي. وقد أثار ذلك استغرابي أيضاً، لأنني كنت وما زلت أرى أن بناء عراق ديمقراطي لا يمكن أن يتم عبر قوى دينية طائفية أو تكفيرية تؤمن بالإقصاء، أو تحمل إرثاً من الاستبداد السياسي، حيث كان بين بعض أطرافها كثير من المطلوبين لارتكابهم أعمال قمع وقتل بحق آلاف العراقيين. وفي الوقت نفسه كنت معارضاً لمشاركة الحزب الشيوعي العراقي في مجلس الحكم الذي تأسس تحت سلطة الاحتلال، وهو موقف عبرت عنه برسالة أعطيتها في صيف عام 2003 إلى الأستاذ حميد مجيد موسى، كما أوصلت نسخة أخرى من الرسالة إلى الأستاذ عقيل الربيعي في الحلة. فقد كنت أرى أن مشروع المحاصصة الطائفية والقومية سيقود البلاد إلى أزمات طويلة الأمد، وهو ما أثبتته السنوات اللاحقة.
لكن كل هذه الاختلافات السياسية لم تمنعني من الاحتفاظ بصورة أخرى للدكتور محمد جواد فارس، صورة الإنسان والطبيب الذي عرفه العراقيون في المنافي. فقد كان حضوره في حياة العراقيين أكبر بكثير من حضور كثير من الأحزاب والتنظيمات التي رفعت الشعارات الكبيرة دون أن تقدم للناس ما يخفف معاناتهم اليومية. بالنسبة لكثيرين كان مستشفى متنقلاً وصديقاً وناصحاً وقلباً مفتوحاً قبل أن يكون سياسياً أو كاتباً.
وحين عدت إلى العراق بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 اكتشفت أن الدكتور محمد جواد فارس هو في الأصل سامي، أحد أقارب عائلتنا. وكانت والدته صديقة وقريبة من والدتي، تزورنا باستمرار لقرب بيتهم من بيتنا، وكانت تتحدث عن معاناتها من مداهمات سلطات البعث لبيتهم، وما تعرضت له من إهانات وشتائم متكررة. كنا نتألم لوجعها وحزنها على فراق ولدها، إضافة إلى ما تعرضت له هي وأسرتها من مضايقات على يد السلطة. ولم أكن أعلم أن سامي هو نفسه رفيقي الطبيب محمد جواد فارس. كانت تلك مفاجأة متأخرة، لكنها لم تغير شيئاً من قناعتي الأساسية تجاهه، لأن تقديري له لم يكن قائماً على صلة القرابة، بل على ما لمسته وسمعته من عشرات العراقيين الذين عرفوه وتعاملوا معه.
لقد اجتهد محمد جواد فارس في السياسة، فأصاب في مواقف وأخطأ في أخرى، شأنه شأن كثير من أبناء جيله الذين عاشوا التحولات العاصفة التي مر بها العراق. وقد يختلف الناس حول أفكاره ومواقفه وخياراته السياسية، لكنهم يجدون صعوبة في إنكار حضوره الإنساني ودوره في خدمة العراقيين خلال سنوات الغربة والمنفى.
ويبقى في الذاكرة، قبل كل شيء، ذلك الطبيب الذي لم يميز بين الناس على أساس الانتماء أو المعتقد، والذي اختار أن يحمل سماعته الطبية إلى جانب قناعاته السياسية، مؤمناً بأن خدمة الإنسان هي القيمة الأعلى والأبقى. وربما لهذا السبب سيبقى اسم الدكتور محمد جواد فارس حاضراً في ذاكرة كثير من العراقيين، لا باعتباره سياسياً أو حزبياً فحسب، بل باعتباره إنساناً ترك أثراً طيباً في حياة الآخرين، وهو أثر لا تمحوه الخلافات السياسية ولا تقلبات الزمن
2026-06-22