الدكتور جاسر الشوبكي: الوهج النبيل في الرحلة بين المعقد والبسيط!
جمال الطاهات
تلمست قدرته الفائقة على اجتياز الخطوط الحمر في اللغة والتعبير، فقد كان نموذج لأستاذ الجامعة الذي يجتاز خطوطها وقواعدها دون اسفاف. عاش متوهجاً على صليب التوتر بين المغامرة العلمية المعقدة، وبين تقديم منجزه المعرفي للبسطاء الذين يفتخر بحبهم وانتمائه إليهم. فقد كان يؤمن بمفهوم صوفي للشعب والجماهير. لم أحظ يوماً بالتوصل معه إلى توصيف عملياتي سياسي لهذا التعبير، فيختصر الحوار بالقول إنه منهم، وأنه يخشى التغرب عنهم، ويصر أنه لا يمكن لأي كان، أن يناضل من أجل شعب لا يؤمن به بشكل صوفي، فيقول بان المناضل يدرك شعبه بشكل حدسي مباشر، ومن خلال تجربته وتواصله الروحي والعاطفي مع الأفراد، أم وأخت وأخ وأب وعم، صديق ذكي، وجار بسيط، “وابن بلد مسخم”، “ودكنجي”، وفران، وعسكري، ،،، على المناضل أن يحفظ ملامحهم في الذهن حية، ليجدد بشكل يومي طاقته النضالية والثورية.
الدكتور جاسر الشوبكي، رغم كل ما مر به من متاعب وحصار، بقي الفارس الذي امتطى صهوة العلم، ولكنه لم يجد جماعة علمية تمضي معه في رحلة الريادة. خذلته جامعة اليرموك، ووجهت له إنذار نهائي لأنه تحدث عن تبذير الإدارة، وطالب بان تتقشف إدارة الجامعة بديلاً عن رفع رسوم الطلاب، وذلك في مقال علني. وكان الحصاد توجيه انذار نهائي له، وصمت الجميع، رغم أنه علق مقالته وصورة الإنذار الذي وجه إليه بسببها، على لوحة إعلانات قسم الفيزياء في الجامعة.
لم ادرس عنده أي مادة في جامعة اليرموك رغم أنني درست فيزياء ورياضيات، ولكني مثل الكثيرين من الطلاب تعرفوا على الدكتور جاسر الشوبكي، من خلال جلسات في الكافتيريا وساحات الجامعة. وانقطعت الصلة معه بعد طرده من الجامعة مع أساتذة آخرين بعد احداث أيار 1986 الدامية بسبب اعتراضه على قيام قوات الأمن باقتحام الجامعة وقتل عدد من الطلاب، وجرح العشرات، مما أدى لتغربه في اليمن، وتغرب عائلته في أمريكا. واتيحت لي فرصة التعرف عليه عن قرب، بعد عودته من اليمن، من خلال زياراته لصديقه الحميم القاضي المرحوم محمد الناصر أبو مازن.
وبالرغم من دراسته الفيزياء النظرية، وتمسكه بشغف التعقيد الرياضي للمغامرة المعرفية، تمسك أيضاً بتبسيط النتائج، وبأن على العلم أن يقدم ما ينفع الناس لتطوير حياتهم. كان يصر على تقديم التفسيرات العلمية المعقدة بلغة بسيطة جداً. فكان يشرح قانون السببية، وفي ذهنه تبسيط هذا القانون ليدركه كل الناس، بمن فيهم الأميين الذين يحبهم، ويشجيه الحديث عنهم.
كان كثيراً ما يعيد طرح أسئلة بسيطة تكشف مدى استبداد وفساد النظام. ومنها سؤال المياه في الأرياف الأردنية. لماذا تم تدمير المصادر المحلية للمياه في الأرياف؟ وفُرضت قسراً على أهل الريف الذين عاشوا آلاف السنين على المصادر المحلية، مياه من مصادر بعيدة، تسلبهم فرصة الحياة بحرية، وتحولهم من منتجين احرار إلى لاهثين خلف شربة ماء. وكان يصر على المضي بالتحليل في هذا الموضوع لأبعد نقطة ممكنة، فمع كل خطوة في التحليل، تظهر المزيد من الأدلة على استبداد وفساد (حسين وحسن) وعمالتهم.
تحدث بضع مرات عن الفيزيائي البريطاني بول ديراك، الذي التقاه وأعجب به كمفكر وكشخص صان توازنه برحلته من طفولة مؤلمة نحو التخوم القصية للمعرفة العلمية. ولكنه كان شديد الاعجاب بأينشتاين وشخصيته المرحة. عمل بجهد لتعريف جامعة اليرموك على الفيزيائي الباكستاني مدير معهد تريستا الإيطالي محمد عبد السلام بعد فوزه بجائزة نويل، وهو أحد العلماء الذين كان يذكره كنموذج للقدرة على وضع العلم المعقد في خدمة البرامج المعقدة في بلده الفقير. فالعلماء بالنسبة له هم رواد العصر الحديث مهمتهم المغامرة المعقدة، وتحمل مشاقها ومخاطرها من اجل الفقراء.
مازحته يوماً قائلاً بانه يذكرني بالصعاليك النبلاء، عروة بن الورد والشنفرى الازدي، وبشر بن عوانة، وعبد بن يغوث اليماني، ولم آخذ فرصة للتوضيح، وأتمنى لو فعلت قبل مغادرتي الأردن. وبعدها بفترة عثرت على مقال يشبه العالم والفيلسوف البريطاني المتمرد، المفصول من جامعة أكسفورد، والسجين المعارض للحرب، الذي عمل على تبسيط العلم برتراند راسل، بصعلوك بريطانيا الكبير روبن هود. ولكن كما ذكر التاريخ الصعاليك كفرسان نبلاء تحدوا منظومات الفساد في بيئتهم، سيُذكر الدكتور الفيزيائي جاسر الشوبكي كنموذج للعلماء النبلاء الذين تحدوا الاستبداد والفساد، وبقي وفياً لغواية المعرفة، ومخلصاً لمهمته لوضع العلم في خدمة الناس الذين أحبهم وأحبوه.
ما يليق لرثاء للدكتور جاسر الشوبكي، هو تذكر ما أحبه وما بذل عمره من أجله. أن يكون العلماء رواد وفرسان يطوعون العلم ليخدم الغلابا ويقوي الضعفاء. لقد كره المتعلمين الطواويس، وكان يتحسر حين يتم ذكر جبن وخسة بعضهم. أحب جرأة القاضي محمد الناصر، وله قصة شخصية جمعت طفل مكلوم بوفاة امه، بعائلة محامي شاب منفي في مدينة جرش. أحب ليث شبيلات، ورأى فيه الفارس، رغم أنه لا يلتقي معه أيديولوجياً. وبرر هذا الحب بأن الأيديولوجيا لمساعدة المناضلين على خدمة الناس، وليست خنادق يتمترس بها الأدعياء.
وكما تحتفل الجماعة العلمية في الولايات المتحدة بالعالم المتمرد، ريتشارد فاينمان، الذي تحدى التقاليد وضرب على الطبل المزدوج، واكتشف المعضلة التي أدت لاحتراق المركبة الفضائية، وفاز بجائزة نوبل في الفيزياء عن مساهماته في الفيزياء الكمية، سيحتفل الأردن بالفيزيائي جاسر الشوبكي، الذي رفض أن يتحول إلى أداة بيد سلطة شكك بصدقها وولائها للشعب، وبقي وفياً لوظيفة العلماء الرواد النبلاء، وهي قطف ما يمكنهم قطافة من تخوم المعرفة لخدمة الإنسان، وتحسين الحياة، وتقليل مساحة الألم فيها، والانحياز للفرح والبهجة، وتعليم الناس تحدي الاستبداد والفساد.
2024-07-17