الإبادة قرار… وأنس فضح الأقفال!
خالد عطية
في المشهد الذي أقدم عليه أنس حبيب، الشاب المصري المقيم في هولندا، ما هو أكبر بكثير من صرخة فردية أو احتجاج وجداني. لقد عبّر في لحظة عفوية وحادة عن مأزق كامل للنظام العربي الرسمي، وللدولة المصرية تحديدًا، في عصر الهيمنة. وأعاد إلى سطح النقاش سؤالاً كبيرًا لطالما أُزيح عمدًا: لماذا تقبل «أم الدنيا» أن تكون طرفًا في إبادة شعب محاصر، بينما هي ـ بحكم موقعها الجغرافي والسياسي والتاريخي ـ تملك مفاتيح حصاره وفكه؟
أنس لم يقفل فقط باب سفارة؛ لقد فضح بابًا آخر، أكبر وأخطر: باب الهيمنة الإسرائيلية المفتوح على مصراعيه في الجسد العربي منذ أربعة عقود. منذ توقيع «كامب ديفيد» وما تلاها من ترتيبات، تحوّلت مصر من مركز ثقل عربي، إلى طرف إداري في بنية أمنية-إقليمية تخدم إسرائيل أكثر مما تخدم أهلها أو أمتها. اتفاقية السلام التي التزمت بها مصر، لم تحترمها إسرائيل نفسها، بل خرقتها مرارًا، وخصوصًا عندما أعادت احتلال «محور فيلادلفيا» وأقامت نظام سيطرة كامل على حدود غزة.
ولكن ما يثقل على الضمير أكثر أن هذا الصمت الرسمي استمر حتى بعد أن تحوّل الحصار إلى إبادة وتجويع جماعي ممنهج لغزة. منذ عامين، ومع تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية، يعاني مليونان من أهل غزة الجوع، ويُحرم الأطفال من الحليب، والمرضى من العلاج، وتُقصف المدينة حتى آخر حبة قمح فيها، وكل هذا تحت بصر مصر وباب رفح مقفل أو مقنن كأنه أداة من أدوات العقاب الجماعي. ومع أن مصر تملك الحق القانوني والقدرة الجغرافية على كسر الحصار، بقيت شريكة بالصمت، بل وبالإدارة، في هذه الإبادة الجماعية الصامتة.
في هذا السياق جاء فعل أنس رمزًا بالغ القسوة والصفاء معًا: حين أغلق باب السفارة بالقفل، وألقى الطحين والبيض عند عتبتها، كأنه يقول لهم: «حتى في غضبي أفضل منكم… أعطيكم خبزًا وأنتم تمنعون الخبز عن أطفال غزة». لقد عرّى هذا التواطؤ ووضعه في صورة جسدية مباشرة.
وهنا تحديدًا تبرز المفارقة القاسية: إسرائيل، التي لم تلتزم يومًا بروح ولا نصوص الاتفاقيات مع مصر، وأعادت احتلال «محور فيلادلفيا» خرقًا للملحق الأمني، ما زالت تُحاكم مصر وتُبقي يدها على رقبتها بحجة الحفاظ على معاهدة السلام. ولو شاءت مصر أن ترفع هذا الملف إلى المجتمع الدولي، أو أن تلوّح حتى بإعادة النظر في التزاماتها طالما أن الطرف الآخر يخرقها، لكانت قادرة على قلب الطاولة. لكن الدولة اختارت أن تكون شريكة صامتة في مأساة غزة، وكأنها رهينة في بيتها.
بهذا المعنى، لم يكن فعل أنس احتجاجًا فرديًا فقط، بل صفعة رمزية، وصرخة تقول: الحصار قرار، والتجويع قرار، والإبادة قرار… والصمت عنها قرار.
في النهاية، ما كشفه أنس لنا جميعًا هو أن الاحتلال الإسرائيلي لم ينجح فقط لأنه أباد وجوع غزة، بل لأنه احتل أنظمتنا وجعلها أقفالًا على شعوبها. قفله لم يكن إغلاقًا بل مفتاحًا، وصفعة أخلاقية تقول لنا جميعًا: أنتم قادرون إن أردتم. العجز ليس قدَرًا… بل اختيار.
2025-07-23
