أخلاق الثورة والثوار!
محمد أبوعريضة
هل سمعتم عن صاروخ أطلقته “المقاومة” – أي مقاومة – أصاب أثرًا أو معلمًا تاريخيًا أو تكية أو مقام أو أو مسجد أو كنيسة أو معبد؟
وهل رأيتم ثائرًا يقتل طفلًا أو شيخًا طاعنًا أو امرأة غير “مجندة”؟
وهل رأيتم مقاومًا يقتلع زرعًا ويجرِّف أرضًا مزروعة أو يقتلع شجرة زيتون، أو يسطو على “زرع” الآخرين؟
هل سمعتم ثائرًا يكذب ويلفق ويزوق وينافق ويشتم ….؟
هل رأيتم مقاومًا يساوم على حقوقه وحقوق شعبه وأمته؟
إن رأيتم أي من هؤلاء يفعلون هذه الموبقات، فهم ليسوا مقاومين ولا ثوارًا!
الثورة قبل أن تكون نظرية ثورية وأداة تغيير هي في الأساس منظومة قيمية، وإن لم تكن كذلك، فلا هي ثورة ولا ما يحزنون!
مقابل ذلك: هل رأيتم أداة الغرب المتحضر “إسرائيل” تقتلع الآثار وتقتل التاريخ؟
هل رأيتم جرافات الصهاينة تجرِّف الأراضي المزروعة وتقتلع الأشجار وتخرب الزرع والضرع؟
هل رأيتم أطفال الغزة الشهداء، وهل تعرفون من قتلهم، وأي حضارة صنعت الأسلحة التي قُصفت عليهم؟
وهل سمعتم “نتياهو” وهو يكذب و”بايدن” وهو يلفق، وهل تابعتم “ماكرون” ورؤساء أوروبيين وهم ينافقون، وهل شاهدتم زعماء عرب وهم يتخاذلون ويلفقون؟
في سياق ذي صلة فإن قصة ثوار اسبان، آثروا الاستسلام لجيش فرانكو على أن يضحوا بآثار بلادهم، أمثولة صارخة البيان على أخلاق الثورة والثوار، وأخلاق أحفاد العرب في الأندلس.
افيفا إسبانيا
“فرانكو”، كان كابوسا بين حقبتين – رئيس اسبانيا من 1939 – 1975 – … ولمّا حاصره الثوار، اتخذ من المتاحف درعا لحماية نفسه منهم، فقد كانوا قد دخلوا المدينة.
“فرانكو” كان دائم الحركة، يوزع جنده على أرجاء المتحف، وبينما كان يبحث عن مخرج جانبي للهرب، بعد أن حاصر الثوار المتحف من جوانبه كافة، واجهته معضلة؛ باب القبو، الذي يفضي إلى سرداب يتصل بالشاطيء، مغلق بإحكام، وكل محاولات “فرانكو” لفتح الباب، باءت بالفشل، فاستدعى أحد الجنود، وطلب منه تحطيم الباب.
تسمر الجندي الإسباني في مواجهة الباب، ولمّا استهجن “فرانكو” تصرف الجندي، تقدم أحد الضباط، وأوضح المسألة، فالباب، صنعه ملك عربي، منذ مئات السنين، ليختلي خلفه بمعشوقته، بعيدًا عن أعين الحرس، لذا فإن الباب، كما قال الضابط، يُعَّدُ جزء من ذاكرة إسبانيا.
انفجر ” فرانكو” في وجه الضابط، وقال له: أنا إسبانيا، أنا الماضي، وأنا الحاضر والمستقبل، حطموا هذا الباب.
في ظلال الصورة، انشغل قادة الثورة في حوارات لأيام، ليصلوا إلى مخرج من المأزق، الذي وضعهم فيه “فرانكو”، وأخيرًا توصلوا إلى قرار صعب؛ انسحبوا من محيط المتحف؛ فعلى الثورة، كما أكد قادتها، أن تحافظ على تاريخ إسبانيا، واقتحام المتاحف، يدمر شواهد حضارتهم، ومجدهم.
انحاز الثوار لضمير أمتهم، وانسحبوا، صحيح أنهم خسروا الثورة، لكنهم كسبوا إسبانيا، وبذلك فشلت الثورة، التي كادت تطيح بالدكتاتور “فرانكو” قبل أكثر من ثمانين عامًا.
مقابل ذلك انحاز “فرانكو” لمصالحه ومصالح حمه وطبقته المسيطرة، ولم يأبه كثيرًا بباب تاريخي ولا بالآثار الإسبانية ولا بتاريخ بلاده.
*الحادثة وقعت، بشكل مختلف، وأنا أعدت كتابتها بتصرف، لذا فإسبانيا تستحق أن نحييها، ونقول لها: افيفا إسبانيا.
2024-11-10
