مظفر والرحيل الاخير…!

د.عبدالمهدي القطامين

تماما كان مثل ابي الطيب على قلق كأن الريح تحته لم تهدأ جوانحه فقد ظل طائرا محلقا من منفى الى منفى وفارقه الوحيد ان ابو الطيب آوى الى السلطان احيانا كثيرة لكن مظفر لم يأوي الا لسلطان الشعر وشيطانه وكان يأخذ  البصرة معه حيثما ارتحل وكمشة من تراب العراق كان يخبئها عن الحاسدين وعيون البصرية التي احب  حيث تتبدى لوعة العشق ومتاهته في قصيدته الشهيرة  زرازير البراري….

 حن وآنه أحن .. وإنحَبس ونَّه ونمتِحِن

مرخوص بس كت الدمع .. شرط الدمع حدَّ الجفن

جفنك جنح فراشة غَض .. وحجارة جفني وماغُمَض

يل تمشي بيَّه ويَّه النبض .. روحي إعله روحك تنسحِن

حن ,, بويه حِن

حن عمي حن.

في هذه القصيدة طوع مظفر كل قهر العشق وصهره في الروح التي تنسحن تحت وطأة الغياب عن مندلي التي كانت فيه معشوقته فغدرت بمظفر البراري في المنافي البعيدة .

لم يتوقف مظفر طويلا عند الشعر وعروضه ونحوه وصرفه وعموده بل هدم كل الاعمدة تحت وطأة البحث عن التعبير الذي يوجع حد الموت ولعله اول شاعر واخر شاعر استخدم المفردة النابية في سياق شعره السياسي فأوجع بها الحكام المتخاذلين الر اقصين على وجع الامة الممتدة من الماء الى الماء ولعل قصيدته عن القدس كانت القصيدة التي هزمت الحكام واوجعتهم هجاء مقذعا وجلبت لمظفر تلك المنافي التي ادمنها فأدمنته وصهرت كل اوجاعه ليذوب وجدا على نخلة في العراق ونهر فارقاه وفارقهما في رحلة البحث عن مأمن يأوي اليه .

مظفر كان الشاعر الذي حمل روحه على راحتيه فلم يستجدي الامان من الحكام الذين قال عنهم نعجة وغنم …قمم قمم  …. فأنى لشاعر يحمل تلك الروح المتوثبة ان يقف على باب حاكم يطلب صفحه وهو لم يستثني منهم احدا .

مات مظفر ولم تزل قصائده تمتد في الوطن العربي المبتلى بحكامه مات ولم تزل القدس تغتصب ولم يزل من يطلب منها ان تصمت درءا للعار …

لم يكن مظفر من الشعراء المتكسبين بشعرهم ولو اراد لكان له ان يغدوا برجوازيا مليونيرا يمضي لياليه في باريس وغيرها من مدن اللهو والعبث لكنه ظل مخلصا لامرأة في الهور تخبز في التنور رسم معاناتها ووحدتها ..وظل مخلصا للبصرة وليلها الحزين وشناشيل ابنة الجلبي كما ظل السياب.

حين يموت الشعراء فان ثمة شرخ كبير يضرب في صميم اللغة وصميم الشعر وصميم القدرة على التأثير ومظفر كان اكبر من شاعر واكثر من سياسي واكثر من حرك اوجاع المتعبين وثورهم في رحلة البحث عن الخلاص  …. الخلاص ممن ادمنوا هزيمة الشعوب ورقصوا على اوجاعه .

في الجنة متسع يا صديقي لمن قال كلمته ولم يمشي بل دفع ثمنها دما ووجعا ومناف ظلت تحاصره تمتد ما بين النبض والنبض فتخرج تلك الآهات التي حملتها وجعا على وجع

لروحك الرحمة وانت تغادر دون وداع دون ان تلقي تحية المساء على البصرة والخليج الذي كنته وكانك .

‎2022-‎05-‎22