عميرة أيسر
بالرغم من إسقاط نظام الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، من طرف كبار الدولة العميقة حفظهم الله، لأن الدولة بعد حوالي 20 سنة من حكمه، قد أصبحت ضعيفة جداً و مؤسساتها الدستورية والتشريعية والقضائية، قد بلغت حداً لا يطاق من الفساد والمحسوبية والجهوية، وتغلغل الفساد فيها وضربها في الصميم، وامتدت أذرع أخطبوطه لبقية مؤسساتها الأمنية والاقتصادية، والتي تحولت لمؤسسات يغلب عليها الطابع العائلي أو المناطقي، و أصبحت الكفاءة والخبرات الميدانية أو المعرفية أو التسييرية في خبر كان.
ولكن يبدو بأن الأمور لم تتغير كثيراً حتى بعد إزاحة بوتفليقة من قصر المرادية، فدار لقمان لا تزال على حالها، لأن هناك قطاعاً واسعاً من النخب فضلاً عن السواد الأعظم من الشعب الجزائري، باتوا على يقين تام بأن الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، هو امتداد لخليفة بوتفليقة، أذ أن هناك الكثير من المسؤولين الذين خدموا في عهد سنوات حكم الرئيس المخلوع، قد أعادهم عبد المجيد تبون للواجهة السّياسية مجدداً، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر، كما يرى منتقدوه، منهم وزير الخارجية رمطان لعمامرة.
وهؤلاء يستندون في وجهة نظرهم تلك على جملة من المعطيات والوقائع، منها مثلاً أن نفس الأحزاب السّياسية الفاسدة في معظمها التي حكمت البلاد طوال سنوات حكمه، كالأفالان والأرندي والتي طالب الجزائريون خلال أكثر من عام من الحراك الشعبي برحيلها، والتي يرونها المسؤول الرئيسي عن حالة الانهيار الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، ويحملونها وزر الكثير من أفعال حاشية بوتفليقة، إذ أن هاته الأحزاب التي سيطرت على البرلمان بغرفتيه وعلى المجالس المنتخبة، والتي عاثت فيها فساداً وافساداً ونهباً وجوراً وظلماً، قد عادت لتتصدر المشهد السّياسي، و تفرض سيطرتها الكاملة من جديد على كل مفاصل المؤسسات التشريعية والمحلية، في سيناريو دراماتيكي، أعاد للأذهان ممارسات العهد البائد، من استعمال لأساليب التزوير وشراء للذمم، وترشيح أناس متبوعين قضائياً في قضايا فساد ونهب ورشاوى بالمليارات، قدمها هؤلاء لرؤساء أحزابهم من أجل ضمان تصدرهم لقوائمها الانتخابية.
فالفساد لا يزال يشكل عقدة المنشار المستعصية على الحل، ولا يزال منتشراً في مختلف مؤسسات الدولة المختلفة، بالرغم من حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت مسؤولين كبار محسوبين على العهد البائد، من وزراء ورؤساء حكومات، وأمناء عامين لأحزاب سياسية، و مسؤولين أمنيين كبار وجنرالات مهمين في المؤسسة العسكرية، ولكن يرى الكثير من المراقبين بأن كل هاته الاعتقالات غير كافية، لأن هناك الكثيرين غيرهم لا يزالون خارج جدران السجن، والذين كانوا سبباً مباشراً في تهريب الأموال بالعملة الصعبة للخارج، والذين لا يزال بعضهم في حالة فرار من العدالة، خارج البلاد بالرغم من إصدار مذكرات دولية بالقبض عليهم، كالوزير السّابق للطاقة والمناجم شكيب خليل، والذي كان قريباً جداً من بوتفليقة، ووزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، بالإضافة لأكثر من 500مسؤول جزائري من بيهم وزير الفلاحة السّابق عبد القادر بوعزقي المتواجد بكندا، واللواء حبيب شنتوف قائد الناحية العسكرية الأولى السّابق وغيرهم. كما ذكر موقع الجزاءر 1، بتاريخ 19اوت/اغسطس 2019م في مقال بعنوان ( 500مسؤول بارز فار من العدالة يتقدمهم نزار وشكيب، وبوشوارب وبوعزقي).
بالإضافة لعجز تبون بعد مرور عامين على انتخابه، في انتخابات يشكك الكثير من الجزائريين في نزاهتها، على الوفاء بتعهداته التي قطعها في حملته الانتخابية، وفي مقدمتها استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة في البنوك الأجنبية، والتي تقدر بمئات المليارات بالعملة الصعبة، تم نهبها من طرف عدة مسؤولين في عهد بوتفليقة، وهربت بطرق غير شرعية لخارج البلاد، وكذا التزامه أمام مناصريه، وفي الكثير من خرجاته الإعلامية بأنه سيحارب المال الفاسد، الذي حسب رأيه تغول وأصبح من يعين المحافظين والمسؤولين. كما ذكر موقع RTالروسي، بتاريخ 19جويلية/يوليو 2020م، في مقال بعنوان ( الرئيس الجزائري يتعهد باسترجاع الأموال المنهوبة، يندد” بتغول المال الفاسد).
ولكن يبدو بأن المال الفاسد لا يزال يلعب دوراً كبيراً في تعيين المسؤولين في الجزاءر، وخاصة في انتخابات مجلس الأمة (السينا)، التي جرت منذ أيام قلائل، حيث انتشرت ظاهرة شراء أصوات المنتخبين في مختلف الولايات، وذلك مقابل مبالغ مالية متفاوتة من حيث القيمة، ما يشير إلى أن كل ما تعهد به تبون من محاربة للفساد والمفسدين، وكل الآليات التي استحدثها من أجل ذلك، والتي كان من بينها استحداث سلطة وطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وتشكيلتها وصلاحياتها، وأيضاً استحداث مفتشية عامة مرتبطة برئاسة الجمهورية، تكون مهمتها مراقبة عمل المسؤولين ونشاطاتهم، بحيث لا يدري أي مسؤول متى تقصده هذه المفتشية، بحيث سيكون لها اتصال بكل فئات المجتمع من طلبة و بطالين وغيرهم، ويتحرون عن كيفية تسيير هذه الولاية أو تلك، وعن وسائل أخرى متعلقة بمدى تطبيق القوانين والقرارات على المستوى المحلي. كما ذكر موقع أمريكا، بتاريخ 13جانفي/ يناير 2022م، في مقال بعنوان ( الرئيس تبون ينصب رسمياً المفتش العام لمصالح الدولة والجماعات المحلية).
ليست إلاّ محاولة لذر الرماد في العيون، مادام أنها لم تقم بفتح تحقيقات معمقة مع عدة مسؤولين سابقين وحاليين، وسؤالهم عن الكيفية التي جمعوا بها ثرواتهم الطائلة، وفي فترة زمنية وجيزة، بالإضافة لرؤساء أحزاب وجمعيات وطنية ومدراء وسائل إعلامية أصبحوا من أصحاب المليارات، ومن أمثال هؤلاء أبو جرة سلطاني رئيس الحكومة الأسبق، ونعيمة صالحي رئيسة حزب العدل والبيان…الخ.
وبالتالي فالرئيس تبون مطالب ببذل المزيد من الجهد، لإثبات خطأ كل منتقديه، الذين يؤكدون وهم محقون في ذلك، بأنه يتعامل وفق منطق الكيل بمكيالين، فهو لا يجرأ على فتح ملفات فساد المقربين منه، أو ملفات فساد أبناء قاءد الأركان السّابق القايد صالح، أو الموظفين المكلفين بمهام خاصة على مستوى رئاسة الجمهورية، والذين أصبح البعض منهم حديث العام والخاص في مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، لتورطهم في عدة قضايا فساد وبالأدلة كما يقول منتقدوهم.
كاتب جزائري.
2022-02-14