كيف تَضيع مُعَانَاة الشعوب بين الثورة على الانظمة الاتوقراطية وصراعات القوى الكبرى في النظام الدولي… أزمتي كازاخستان وأوكرانيا أنموذجاً!
د. سوسن إسماعيل العسّاف
على مر التاريخ المعاصر، وبالتحديد بعد الحربين العالميتين وإثرهما، وقع ظلم كبير على دول العالم الثالث نتج عنه إحتلال وإستعمار مباشر للقوى المنتصرة، واستبداد الانظمة التي تم تنصيبها في الداخل، كما تم قمع كل محاولات شعوبها للتحرر بأبشع الاساليب. واستمر إستهتار الدول المحتلة بمقدرات هذه الشعوب حتى منتصف العقد الثاني من القرن الماضي. نجحت بعض حركات التحرر في تحدي القوى الامبريالية التقليدية وذلك إعتمادا على ثلاثة امور: أولها زيادة الوعي الجماهيري، وثانيها علامات الضعف التي بدأت تظهر على الدول الغازية المحتلة، وثالثها هو ظهور الإتحاد السوفيتي كقوة عظمى وقفت في أغلب الأحيان الى جانب حركات التحرر حول العالم. وبالمقابل فإن الإتحاد السوفيتي فرض هيمنته على دول أوربا الشرقية والدويلات الصغيرة المحيطة به، وقمع الحركات الوطنية الرافضة لسطوته في المناطق التي سيطر عليها. هنا جاء دور الولايات المتحدة وأوربا لكي يلعبوا دور المدافع عن حقوق الشعوب التي خضعت للنفوذ السوفيتي. ومع مرور الزمن اصبحت دول (العالم الثالث) في أسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوربا الشرقية أدوات للتلاعب من قبل القطبين الأكبر، الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي، وبشكل أقل من القوى التقليدية مثل بريطانيا وفرنسا. ونجحت في تلك الفترة، التي عرفت بالحرب الباردة، شعوب أخرى في الإستفادة من هذا التنافس للحصول على إستقلالها وخسرت أخرى بسبب تلاقي مصالح هذه القوى العالمية. تغيرت الامور بعد إنهيار وتفكك الإتحاد السوفيتي (1991)حيث أصبح العالم محكوما برغبات وهيمنة قوة واحدة هي الولايات المتحدة بدون منازع، التي كان همها الأكبرالانتشار الواسع وكسب الدول المحيطة بروسيا وزعزعة ثقة الدول المؤمنة بالايديولوجية الاشتراكية والماركسية بنفسها. واستمر الحال حتى بداية القرن الحالي الذي شهد تصاعد قوة روسيا من جديد، ونجاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تثبيت نفسه كرئيس مقتدر، مع إنتهاج سياسة جديدة من أجل إعادة الهيبة لروسيا وخاصة العسكرية والسياسية، مستغلاً الأخطاء الكبيرة التي إرتكبتها الإدارات الأمريكية حول العالم. كما إستطاع بوتين أن يتقرب من الصين التي تتعرض هي الأخرى لمحاولات أمريكية لزعزعة إقتصادها وتحجيم قدراتها العسكرية ومكانتها، وكلاهما عمل على ترسيخ ممكنات تغيير قواعد النظام الدولي القائمة. الامر الذي فتح افاقا جديدة للدول، أنظمة وشعوب، الساعية للخروج من دائرة السيطرة الامريكية والليبرالية الجديدة لتعيد حساباتها وفق المتغيرات الجديدة والقوى الصاعدة.
من هنا لا يمكن النظر الى الازمة في كازاخستان بعيدا عن التنافس الروسي- الأمريكي على النفوذ، اوبعيداً عن المحاولات الأمريكية-الأوربية للتغلغل في الدول التي إستقلت عن الإتحاد السوفيتي منذ عقد التسعينيات الماضي كمحاولة لكبح الطموحات السوفيتية من العودة الى سابق عهدها، لا سيما وان روسيا دأبت على وصف هذه الدول (بالحزام الواقي) والمجال الحيوي للامن الروسي، واعتبرت أن أي تغلغل امريكي-أوربي فيها تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وجزء من عملية إرباك استقرارها (روسيا). ثم إنضمت الصين لهذه الرؤية الاستراتيجية ايضاً. بنفس المفهوم لايمكن النظر الى التطورات التي تجري في المناطق المحيطة بروسيا والصين بصورة منفصلة عن الإنسحاب الأمريكي والهزيمة التي لحقت بالولايات المتحدة في أفغانستان، وبعد فشلها في سوريا وإيران، وقبلهم العراق وصعوبة العودة من جديد الى هناك.
ان ما قيل اعلاه لا يجب ان يُفهم منه أن الإعتراضات الشعبية في كازاخستان لم تكن مبررة، لأنها جاءت بسبب معاناة الشعب من حكم دكتاتوري وفساد مستشري عمَّ البلاد منذ إنهيار الإتحاد السوفيتي. وأعادت الأحداث هناك التذكير بما حدث في ما سمي بالربيع العربي، عندما تم إستغلال التظاهرات الشعبية التي خرجت ضد أنظمة شمولية إستبدادية، وحرفها لأغراض تخدم الأهداف الأنكلو-أمريكية وحلفائها وتشتت معها رؤى التغيير والاصلاح الحقيقية. ومن هنا ظهرت في الإعلام وجهتي نظر مختلفتين متعاكستين لتفسيرالسبب الحقيقي وراء الأزمة في كازاخستان وتطوراتها المفاجئة، وحتى استراتيجية لملمتها بسرعة غير متوقعة. ففي الوقت الذي صورت فيه الحكومة الكازاخستانية الموالية لروسيا ما حدث بأنهُ أعمال إرهابية بفواعل دولية لزعزعة استقرار الدولة ومحاولة فاشلة لقلب النظام لصالح الدول الغربية التي أرسلت مرتزقة لذلك. أكد الإعلام الغربي والأمريكي ان ما يجري في كازاخستان هو ثورة او إنتفاضة شعبية (ثورة ملونة) ضد نظام فاسد وديكتاتوري لايحترم حقوق الإنسان وتطالب بالتغيير، (كلام يذكرنا بإحترام الولايات المتحدة لحقوق الإنسان في العراق مثلاً). ثم ظهرت معلومات اخرى أكدت أن ما جرى في كازاخستان كان خطة اعدت بإحكام من أجل قلب النظام الموالي لروسيا وإستبداله بآخر موالي للغرب، كما كُتب عن تعاون تركيا وإسرائيل في العملية، وعن نقل الولايات المتحدة لأرهابيين من سوريا الى كازاخستان، بالإضافة الى توفير منصات إعلامية غربية كثيرة لإظهار ما يجري في كازاخستان بأنها ثورة شعبية إصلاحية. وعلى الرغم من أن النظام الكازاخستاني قام بإتخاذ إجراءات أولية لإستيعاب الجماهير الثائرة الغاضبة عبر الاستجابة لبعض مطالباتهم، في مقدمتها معالجة موضوع ارتفاع أسعار الوقود وإقالة الرئيس السابق نزارييف الذي تم تعيينه كرئيس لمجلس الامن القومي بعد ثلاث رئاسات متتالية، والمتهم بكونه الحاكم الفعلي المهيمن حتى بعد خروجه من الرئاسة. إلا انه وبالوقت نفسه حاول الرئيس توكاييف السيطرة على الفوضىى بطريقة أسرع وإن كانت عنيفة ودموية أكثر. بدأها بدعوة قوات الامن والشرطة الى اطلاق النار وبدون اي تحذير او تردد، ومن ثم طلب المساعدة الخارجية من خلال استقدام قوات عسكرية من منظمة معاهدة الدفاع الجماعي التي يرأسها الاتحاد الروسي والتي لم يتم استخدامها منذ تأسيسها1992. ميدانياً أرسَلَت المنظمة قوات عسكرية قوامها 2300-2500 جندي بأغلبية وقيادة روسية، وذلك لأن روسيا شعرت بأنها المستهدف الأول في ما يحاك لكازاخستان، وان الولايات المتحدة الأمريكية واوربا كانا يحاولان فتح جبهة جديدة ضد روسيا بعد جبهة اوكرانيا، وكان التصدي للمشكلة فرصة لاستعراض قوة روسيا العسكرية وتجنب وقوع منطقة اسيا الوسطى في سيناريو(نظرية الدومينو). ونتج عن المصادمات قتل 164 فرداً و2000 جريح منهم من جانب القوات الامنية الكازاخستانية مع حملة اعتقال 10.000-12.000 اخرين. وفي الوقت الذي حاولت فيه الولايات المتحدة إثارة الشكوك والمخاوف حول التدخل الروسي من خلال تصريح وزير الخارجية الأمريكية بيليكن الذي قال “أن احد الدروس المستفادة من التاريخ الحديث هو انه اذا ما دخل الروس الى بيتك فإنه غالبا ما يكون من الصعب جدا جعلهم يغادرون”. ردت وزارة الخارجية الروسية على هذا التصريح بالقول : “اذا كان انتوني بلينكن مهتما جدا في دروس التاريخ، فهناك درس يتبادر الى الذهن يقول عندما يدخل الاميركان الى منزلك فانه من الصعب ان تبقى على قيد الحياة او ان لا تتعرض للسرقة او الاغتصاب”. ولإفشال هذه الإدعاءات أعلنت روسيا عن بدأ الانسحاب للقوات العسكرية التي ارسلت بعد تأكيد إنهاء مهمتها الناجحة في كازاخستان واثر عودة الامن والاستقرار والهدوء الى ولاياتها بعد اسبوع واحد من وصول هذه القوات على اراضيها، على أن يتم اكمال عملية الانسحاب بحول 19 من هذا الشهر.
في الوقت الذي كانت القوات الروسية تستعيد الامن الداخلي في كازاخستان وتضع حدود صد لحماية مصالحها هناك، دخلت الدبلوماسية الروسية في مفاوضات شرسة وقوية مع الولايات المتحدة وأوروبا القلقة من أزمة اوكرانيا التي بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة. وهي الاخرى وجدت فيها روسيا بأنها محاولة عسكرية أمريكية-أوربية لإدخال الدول التي إنفصلت عن الأتحاد السوفيتي في حلف الناتو كما فعلت مع دول أوربا الشرقية وتوسيعه على حساب الامن القومي الروسي. ألا ان قيام روسيا بنشر 100.000 جندي وبشكل مكثف على الحدود مع اوكرانيا، وسبق ذلك احتلالها لشبة جزيرة القرم 2014 ومساندتها للانفصاليين الاوكرانيين، أعطى الانطباع بأنها مستعدة لعمل عسكري من اجل أوكرانيا، في إشارة الى رفضها الجيوسياسي والعسكري للتقدم الاوروبي-الامريكي، والذي يعني التقرب من حدودها تسليحياً، ناهيك عن أنها استراتيجية تؤكد على تقويض الحكومات الموالية للغرب ضمن نطاقها الاقليمي. على الرغم من أن مواجهة روسيا المستمرة لاستراتيجية التطويق التي أعادة الولايات المتحدة صياغتها من جديد حيال روسيا بعد فشل سياسة الاحتواء، قد نتج عنه عقوبات دولية (والتي يتم التلويح الآن بإمكانية تشديدها بشكل منسق واخطر(مدمرة ومتعددة الاتجاهات) حسب تصريحات أمريكية، هذه المرة لتضييق الخناق أكثرعلى روسيا لتركيعها. إلا إن روسيا مازالت مصرة على توجيه رسالة تقول (أنه اذا كانت بعد عام 1991 أضعف من أن تقف في وجه إنضمام دول أوربا الشرقية الى حلف الناتو والإتحاد الأوربي، فإن هذا الامر قد ذهب، وإنها الأن تمتلك من التأثير والقدرة ما يمكنها من إيقاف تمدد الناتو الى دول الإتحاد السوفيتي السابق التي تعتبرها خطا أحمرلا يمكن السكوت عنه أو القبول بهِ بصيغة واقع حال. لا بل أنها وَجَهَت تحذيرات (غير مباشرة) حتى الى فلندا والسويد من الإنضمام للناتو، مما حدا بالدولتين، اللتين لم تكونا جزءا من الإتحاد السوفيتي او حلف وارشو، بأن يعلنا صراحة انهما لا يفكران بهكذا خطوة. الاكثر من ذلك ان المحادثات التي جرت خلال الاسبوع الماضي مع الولايات المتحدة في جنيف ومع حلف الاطلسي في بروكسل حول أوكرانيا وصل كلاهما الى نهاية مسدودة في ظل اصرار روسي على حاجتها لضمانات أمنية مكتوبة وليس الى تطمينات من أجل الوقوف بوجه توسيع حلف الاطلسي ومنع اوكرانيا من الانضمام اليه، وهو ما تجده دول الناتو بأنه بالضد من القوانين وقرارات الدول الداخلية.
يبدو أن الاستراتيجية التي تنتهجها روسيا منذ الفترة الثانية من رئاسة الرئيس فلاديمير بوتين (2012) وحتى الان حيال العالم مبنية على ركيزتين أساسيتين أولهما التعامل بواقعية مع المعاناة التي ورثتها عن الإتحاد السوفيتي والمتمثلة في توجهات العديد من الدول الجديدة سواء المحيطة بها (والتي إستقلت عنها،وتحمل الكثير من الذكريات المرة من تجربة العيش في ظل النظام الشيوعي الشمولي القاسي)، أو دول أوربا الشرقية السابقة (دول حلف وارشو) والتي سرعان ما انقلبت ودخلت في الإتحاد الاوربي وحلف الناتو، وأصبحت أكثر تطرفا في معاداتها لروسيا من دول أوربا الغربية نفسها. وهكذا أصبح هم روسيا الأول هو كيف تحافظ على أمنها القومي وسط المخاطر الجديدة التي بدأت تواجهها جيوبوليتكياً وايديولوجياً. أما الركيزة الثانية فتقوم على حلم العودة لعهود الامبراطورية والتي بدأها بوتين بإتخاذ إجراءات أو خطوات دولية تعيد الى روسيا مكانتها العالمية، وهي بذلك اخذت خطوات عديدة للتقرب من دول هنا وهناك حول العالم. وما بين كازاخستان وأوكرانيا بعثت روسيا بوتين رسائل عالمية لعل في مقدمتها انها لا تتخلى عن اصدقائها بسهولة والحكومات المتحالفة مع الكرملين، وانها مستعدة للدفاع عنها مهما كانت طبيعة الحكومات هذه. واثبتت بالوقت ذاته بأنها ذات قدرة وقابلية على مهاجمة الذين يناصبونها العداء، وخاصة الحكومات التي توالي الغرب على حساب المصالح الروسية. أضف الى ذلك طرح روسيا نفسها، وبقوة، قطب دولي منافس للولايات المتحدة. الامر الذي يلفت الإنتباه ان في كلتا الحالتين (أوكرانيا وكازاخستان) يؤشرالى عودة اجواء الحرب الباردة بينهما. واخيرا فلقد أظهرت أزمتي أوكرانيا وكازاخستان وبوضوح أن روسيا هي الأقدر على فرض إرادتها في الوقت الحالي، ولعل الحديث عن إمكأنية ارسالها لقوات عسكرية الى كوبا وفنزويلا في امريكا اللاتينية كتحدي اخر وإستعداد عالي للمواجهة.
بالتاكيد أن روسيا نجحت في كازاخستان في الدفاع عن، والحفاظ على أمنها القومي، ولكن الأمر المؤسف أنه مرة أخرى، وفي خضم التنافس الدولي، ضاعت المطالب العادلة للشعوب التي تعاني من فساد وإنتهاكات الانظمة الدكتاتورية، التي تُحمى من قبل قوى دولية لإغراض مصلحية بحتة. فهل ستبقى مصالح القوى الكبرى وتدخلاتها القسرية متحكمة بمصائر الشعوب الى الابد؟ وكيف ستنجح الثورات الوطنية بإنهاء الانظمة الاوتوقراطية في ظل هذا الوضع الدولي؟
‎2022-‎01-‎18