كتاب ( المقبرة المنتعشة )!ابو زيزوم
خلال مناظرة دينية حامية اورد المتحدث معلومة شكك بها بعض الحاضرين فقال المتحدث دفاعاً عن معلومته انها موجودة في الفصل الفلاني من كتاب (المقبرة المنتعشة) على الصفحة الفلانية. لم يكن أي منهم قد سمع بهذا الكتاب غير انهم سكتوا لما رأوا المتحدث يتحلى بكل هذه الثقة. فالقول اني لم اسمع بهذا الكتاب قد يسجل ثلماً في معرفة قائله.
ليس هناك كتاب بهذا الاسم منذ ان خط العرب حرفهم الاول الى ان انعقدت هذه المباراة التي هدفها التفرقة بين الشعب وتأجيج الاحقاد. لكن المتحدث وقد أُفحم بلف مساجليه بنص اربك حججهم، وعزاه الى كتاب وهمي سينكشف زيفه بمجرد ان تختتم الندوة ويهرع كل منهم لاستقصاء خبر ذلك الكتاب. نقّبوا عنه في الفهارس والمصادر والشبكات فلم يقعوا له على اثر. والمنطق يقول انهم سيعيدون الصولة على المبتدع الذي كذب على الجمهور وأتى بإفك فاضح. عليهم ان يعرّوه امام الناس ويقبّحوا وجهه في عيون الناظرين، الا ان احداً منهم لم يفعل! بعضهم هاب تساؤلات المتسائلين عندما يقولون: لماذا لم تعترض اثناء الندوة وبحضور تلك الحشود الغفيرة وتبيّن ان لا وجود لكتاب بهذا العنوان! سيقولون ان سكوتك آنئذٍ بمثابة شهادة للفرية. بعضهم إلتهى بالتفكير في اصل الفكرة … ان تقضي على دفاعات الخصم بخدعة مجردة وتخرج من الميدان منتصراً. وعندما تتكشف الحقائق بعد لأي فإنها لا تحظى بجزء من البريق الذي حظيت به الكذبة في عز اشتعالها الزائف.
وهناك من قرر الاستثمار في ذات المشروع وقَلْب الخدعة الى عكس اتجاهها، مثل الذي يستولي على اسلحة العدو ويبدأ باستعمالها في ذات المعركة. فما دام هذا المتحدث اللبق قد تغلب علينا بذكر كتاب وهمي ماذا يمنعنا ايضاً من ان ننسب لنفس الكتاب معلومات نختلقها عند الحاجة، ولا بأس ان نعزز الحجة برقم صفحة وتسلسل فقرة إظهاراً للتضلع . عندها لن ينكر ذلك أحد، لا المتحدث الذي طرق العنوان اول مرة ولا المشاركون الذين أيدوه بالسكوت علامة الرضا.
هكذا بدأت المعلومات تتوارد من هنا وهناك كلها تنتسب للمقبرة المنتعشة. كل حكاية لا اصل لها تؤصل بالكتاب الذي بات مأوى للايتام يرده كل صباح اطفال مولودون تواً يُعثر عليهم عند صلاة الفجر في باب جامع او برميل ازبال. وبات الجميع مدافعين عن هذا الكتاب مشيدين بصدقيته لأن لكل منهم فيه سهماً. حتى اصبح التشكيك بوجوده يشبه التشكيك بالهولوكوست. بل ان مناقشة وجود الكتاب غير مسموح بها أصلاً. حتى الشعراء والادباء اخذوا يختلقون اشعاراً واساطير ينسبونها لكتاب المقبرة المنتعشة الذي يتسع لكل شيء مثل مقبرة. هكذا اصبح هو المعلم الابرز في تراثنا وتضاءلت دونه قمم الإبداع عريبة الوالدين. انه موسوعة للاكاذيب لأن الحقائق لا تحتاج الانضواء في رواقه.
( ابو زيزوم _ 1171 )
2022-01-06