أنيل منهم“!!
مصطفى الجمال
من ٤٨ عامًا.. ومع تفاقم السخط الطلابي أوائل السبعينيات كان لجامعة المنصورة وضعية خاصة.. فقد كانت الجامعة الوليدة لا تزال جزءًا من جامعة القاهرة.. كما كانت كلية طب المنصورة حالة خاصة حيث عمرت بعدد كبير من الشباب اليساري المتفوق علميًا وثقافيًا والعديد من المواهب الكبيرة.. حتى أطلق عليها أمن الدولة في المنصورة ”كلية الشيوعيين“..
وقد حدث وقتها أن أراد السادات احتواء المعارضة الطلابية في عموم الجمهورية (وكانت مطالبها الأساسية مواجهة الاحتلال وإقامة اقتصاد الحرب وإشاعة الحريات..). فتفتق ذهنه عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق من أعضاء مجلس الشعب تلتقي بالطلاب الساخطين في مختلف الجامعات..
كانت الجامعات مغلقة.. وجاءني في البيت زميل يستعجلني للحضور فورًا إلى كلية الطب للقاء اللجنة، حتى لا يكون الطلبة الحاضرون من كلية واحدة.. وبعد ربع ساعة كنت في قاعة مجلس الكلية.. حيث وجدت حوالي عشرين طالبًا غالبيتهم الساحقة من طلاب كلية الطب.. وأربعة أعضاء من مجلس الشعب أذكر منهم الحسيني عبد الملك وعبده مراد..
كانت مداخلات الطلاب بالغة القوة والعمق.. وحاول أعضاء اللجنة التمسك بالهدوء الظاهري وتسجيل ملاحظات الطلاب بجدية مصطنعة.. أما رئيس الجامعة الدكتور أبو النجا، فلم يكن يجلس على كرسيه للحظة، يتحرك بين الطلاب لتهدئتهم أو تليين حديثهم خوفًا عليهم.. كان رحمه الله شخصية نادرة.. عالم كبير ومبدع في التأسيس الأكاديمي لجامعة وليدة أراد الحفاظ على استقلاليتها عن السلطة وحمايتها من التدخلات الأمنية، وفوق هذا وذاك كان ليبراليًا حقيقيًا يؤمن بحرية الرأي وتوسيع الديمقراطية داخل أسوار الجامعة..
كان كل المتحدثين قبلي من كلية الطب.. وحينما رفعت يدي طالبًا الكلمة طلب الدكتور أبو النجا منحها لي على الفور قائلاً ”نسمع بقى واحد من خارج كلية الطب“..
لم يكن لدي ما أضيفه على ماقاله من سبقوني.. لكنني تحدثت عن منطق تشكيل اللجنة ذاتها.. زمجر أعضاء اللجنة حينما قلت:
”مع احترامنا الكامل للجنة نحن لا نثق في نتيجة أعمالها.. لأن الرئيس السادات في كل خطاباته، بما فيه الخطاب الذي طلب فيه تشكيل اللجنة، لا يكف عن اتهام الحركة الطلابية بأنها مؤامرة من اليسار المغامر واليمين الرجعي، وأن القاعدة الطلابية ”سليمة“..
أي أنه حدد نتيجة تقصي الحقائق قبل أن تبدأ اللجنة عملها.. وهكذا من يضمن لنا ألا يكون عملكم مجرد برواز للصورة التي رسمها السادات مسبقًا للحركة الطلابية“..
انفجر غضب أعضاء اللجنة وتخلوا عن هدوئهم، وكان المتعقل الوحيد فيهم هو الذي قال: ”انتظروا.. وسترون نتيجة عملنا“..
صاح الدكتور أبو النجا: ”جبتك يا عبد المعين طلعت أنيل منهم!!“..
أصبح الاجتماع مكفهرًا.. ثم وجدت الدكتور أبو النجا واقفًا خلفي ويهمس لي:
”أنت أخو محسن الجمال؟“.. ولا أعرف من الخبيث الذي سرب له هذه المعلومة الصحيحة.. فقد كان أخي من اليساريين المعروفين بالجامعة وطالبًا متفوقًا والطالب المثالي ولاعب الكرة أيضًا..
أجبته: ”أيوه أخوه بس الطبعة الشعبية“..
2021-12-10