حدث في صالون ثقافي..!
مصطفى الجمال
ناقش السياسي أديبا محتفى به.. وسأله عن الرسالة أو الرسائل المضمنة في روايته..
فانزعج الأديب وسخر من السؤال بأنه إذا كان هناك دافع قصدي محدد للكتابة فإنها تتوقف عن أن تكون أدبا وتقترب من صيغة المنشور السياسي.. فربما تكون حادثة ما أو شخصيات ما أو حتى شطحة خيال محض هي الباعث المباشر للكتابة، فيتخلق الكائن الأدبي الجديد بتوالد الأحداث وتزاحم الشخصيات لتتبلور حياة كاملة تتداعى على ذهن الكاتب حسب لغته وذائقته ومذهبه الأدبي وربما انحيازاته في حدود قليلة.. والخلاصة أن العمل الأدبي مستقل نسبيا عن مبدعه.. فلا تسألني عن الهدف أو الرسالة كما لو كنت تقرأ تحليلا سياسيا..
** وبدا للحاضرين أن الأديب قد افحم السياسي المناكف.. وهو ما اتضح من تعليقات متتالية لمعجبيه..
** وبصعوبة استعاد السياسي زمام الكلام.. فقال له: أقدر لك وضوحك وتفاعلك مع خيالك ومع الواقع المنعكس في خيالك، ولكني أنتظر منك أن تتعامل أيضا مع الواقع الموضوعي كواقع منفصل نسبيا عن ذاتك وبالأحرى عن خيالك، فلا يوجد خيال حيادي منعزل بالكلية عن الواقع المدبب والحافل بالصراعات، ومن لا يتخذ مسبقا انحيازا إنسانيا وتقدميا من أطراف الصراع ليس مثقفا عضويا من الأصل، أو أنه يمارس التهرب حرصا على السلامة ومن ثم الانتشار.
ثم مضى السياسي إلى بيت قصيده فقال: إن في مصر اليوم عشرات وعشرات الألوف من الشعراء والشعراء نثريين والروائيين والقصاصين والنقاد..الخ، ومع ذلك نلاحظ شحوب تأثيرهم في التنوير والحداثة والتحرير.. بدعوى الابتعاد عن الفجاجة والمباشرة التي تفسد العمل الأدبي.. ويتحدثون ضمنيا، وبشكل مباشر على السواء، عن النأي بالأدب عن السقوط في مستنقع الصراع السياسي بكافة أبعاده.. وهم بهذا يتجاهلون الحقيقة التاريخية العظمى بالدور التبشيري والنبوئي للمثقفين، وخاصة المبدعين، في تكوين وجدان شعبي ثائر وطموح..
** وختم السياسي طرحه بإعلان أسفه لكون مواهب رائعة لا تنفذ إلى جمهور واسع، ليس فقط بسبب القيود السلطوية أو سياسات النشر، وإنما قبل هذا لعدم إقبال القسم الأعظم من القراء على إبداعات تهويمية أو على الأقل لا يشعرون أنها تخصهم.. فأصبحنا إزاء اعداد هائلة من الموهوبين المحبطين ولكنهم راضون فقط بالكتابة لبعضهم البعض.
** تململ الأديب وألقى بأكبر حججه وهي أن العمل الأدبي الحقيقي هو الذي يملي نفسه على الكاتب وليس العكس.. وهذا النوع من الإبداع هو الذي سيعيش عبر العصور.
** ورد السياسي بأن هذا الكلام يفسر له ظاهرة أولئك السياسيين المتقاعدين الذين اتجهوا إلى اجتراح الأدب.. على طريقتهم طبعا. فما بالنا بالمتقاعدين من قبل الممارسة!!
2021-12-07