ملحوظات عن النسبيّة

ثريا عاصي
من الطبيعي أن يهمّني النظام السياسي في لبنان، ولكني لست خبيرة في القانون الدستوري، لذا اسمحوا لي بأن أقارب هذا الموضوع من زاوية «إعلامية»، إذا جاز هذا التعبير. بمعنى أنّي أعبر بصدده عن الصورة المثلى التي أتمنى أن يكون عليها وطني، التي أعتقد أنها لو تحقّقت لوجد الذين ألتزمُ، شخصياً، بقضيتهم في لبنان الأمن والإزدهار.
نحن إذاً في مضمار البحث في موضوع العيش في الوطن. تحديداً نحن في حوار حول القانون الذي يشجّع الناس على البقاء أو المجيء، للعيش في لبنان، كون القانون المأمول هو الذي يضمن علاقة بين اللبنانيين تتميّز بالهدوء والإنتاج والهناء.
ما يجعل الأخيرين قادرين على تحصيل قوتهم وبناء المدارس والمعاهد التعليمية والبحثية والمستشفيات، أضف إلى المحافظة على ترابهم الوطني وعلى حريتهم واستقلالهم في بلادهم.
أكتفي بهذه التوطئة لأنتقل مباشرة إلى مسألة النسبية الإنتخابية، وهنا أذكر مرة ثانية أني في إطار مقاربة أصلها في التجربة الشخصية والمشاعر التي تنبع من الانتماء إلى الأرض وإلى الناس.
قد تفيد النسبية عن الانتساب إلى مذهب أو إلى مبدأ. أي أنها قد تدل على موقف أو على رابطة، وفي سياقٍ مختلف، تعني النسبية جزءاً من كمية.
ينبني عليه أنه يتوجّب على الذين يُظهرون في لبنان حماسة للنسبية الانتخابية أن يزيلوا الضبابية التي تعتري هذا المفهوم.
ما أعنيه هنا هو أنه يتوجّب على هؤلاء أن يُبيّنوا للمواطن العادي طبيعة هذا الاقتراع النسبي الذي يدعون إليه. هل ستبقى «النِسَب» الطائفية والمذهبية ثابتة؟
أعترف أنّ تطبيق النسبية بحيث يكون لجميع اللبنانيين سواسية، الحق في اختيار النواب عن الطوائف والمذاهب، يمثِّل خطوة جبارة في ورشة بناء الوطن، لأنّ ذلك يحرّر الناس من قبضة زعماء الطوائف والمذاهب، ولكن الوصول إلى هذا الهدف يتطلّب شرطاً أساسياً يقضي بأن لا يبقى التقدم للانتخابات خاضعاً لضغوط الزعماء ورجال الدين. كيف التخلّص من هذين الأخطبوطين!
بكلام أكثر صراحة ووضوحاً، إنّ حصول اللبناني على بطاقة انتخابية تخوّله الاقتراع في مكان سكنه، وليس إلزامياً في مسقط رأسه، يمثّل خطوة إيجابية إلى الأمام.
في الواقع، إنّ جوهر الخلاف السياسي في لبنان ليس على القانون الانتخابي، وإنما هو على نتائج الإنتخابات.
أي أنّ عرّابي السياسة يحاولون اقتسام المقاعد النيابية قبل الانتخابات، وبالتالي فإنّ هذه الأخيرة لا تعدو أن تكون عملية شكلية. في أغلب الأحيان تتوقف الحياة السياسية، أو بالأحرى تتجمد، بانتظار أن يتدخّل بطريقة أو بأخرى عامل خارجي يبدِّل ميزان القوى الداخلي، أو ينتزع تنازلاً من أحد الأطراف، عادةً، مقابل تعويض.
فجأة تدور عجلة السياسة من جديد وتجري الانتخابات ويفوز المرشّحون المتفق على أن يفوزوا مسبقاً!
هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فلا مفرّ من السؤال عن الأسس التي سوف يعتمد عليها الذين سوف يُعلنون أنّهم يترشّحون للانتخابات.
هل ستكون أُسساً سياسية – حزبية، أم طائفية – مذهبية، أم مناطقية؟ أما إذا اعتبرنا لبنان دائرة واحدة فسوف ينجم عنه حتماً اضطرار «المرشحين» لركوب لائحة من اللوائح.
ماذا يفيد الديمقراطية انحصار المنافسة بين لائحة 14 آذار ولائحة 8 آذار؟ وماذا لو اتّفق الفريقان وشكّلوا لائحة واحدة؟ هذا حدث في دوائر انتخابية!
ليس سكان الوطن متجانسين في أدوارهم الوطنية، فمنهم من يسكن ولا يعمل، أو أنه يعمل في بلاد أجنبية. منهم من يزرع أو يصنع أو يقوم بخدمات إدارية وظيفية، مقابل أجر يُدفع من أموال الناس جميعاً.
كما يوجد في لبنان سكان في المناطق المحاذية لفلسطين التي يحتلّها مستعمرون استيطانيون عنصريون إلغائيون ! المطلوب اكتشاف قاسم مشترك بين هذه الفئات.
ينبني عليه أنّه يـُفترض بالقانون الإنتخابي الموعود أن يوصِل إلى مجلس النواب ممثّلين عن اللبنانيين، يتوكّلون بخلق علاقة وطنية بين جميع المكوّنات الذي أشرنا إليها أعلاه.
العلاقة الوطنية تنشأ عادة، أثناء العمل معاً في تنفيذ المشروع الوطني، وهي في جوهرها اتحاد وتعاون وتضامن.
إنّ المهمة الأساسية لممثلي المكوّنات المذكورة هي رسم المشروع الوطني وإقناع اللبنانيين بأنّ مصلحتهم تقتضي أن ينخرطوا في إنجازه.
هنا ينهض السؤال: كيف تتمثّل هذه المكونات في الراهن، على ضوء حالة التفسّخ المستفحلة التي أصابت المجتمع اللبناني، بحيث صار من الصعب أن نتبيّن ما إذا كان يوجد فعلاً قاسم مشترك بين الجماعات اللبنانية؟!
لا أظن أني أجانب الصواب في القول إن المذاهب والطوائف لا تعطي ممثلين ذوي صفة وطنية، وفي السياق نفسه، لا تستوي الأمانة والإخلاص في العمل الوطني مع التبعية لدولة خارجية، كون هذه التبعية لها دائماً فعل الإسفين بين الجماعات الوطنية.
تأسيساً عليه، أنا لا أتفق من منطلق وطني، وليس من منطلق سياسي بالمفهوم اللبناني للسياسة، أنا لا أتفق على الإطلاق مع الذين يتصورون أنّ لبنان دائرة انتخابية واحدة، لأن الواقع الملموس ينفي هذه الصورة قطعياً. الشجاعة والصدق يفرضان علينا أن نعترف بأنّ لبنان مجزّأ.
السؤال الحقيقي هنا هو هل أنّ توحيده ممكن أم لا؟ وهل أنّ هذه الوحدة تصب في مصلحة اللبنانيين؟
يستتبع ذلك أنّ النسبية الانتخابية تصلح ربما في اختيار ممثّلين وطنيّين، في وطن موحّد، بالضد من الوطن المجزأ، فإن رأب التصدّع والشقوق يتطلب أن تتمثّل الأجزاء أفضل تمثيل.
في البلاد المتخلفة، حيث لا تكون الوحدة الوطنية منجزة وحيث يتقدم الفرد على الجماعة بشكل واضح، لا يكون تمثيل الأخيرة تمثيلاً حقيقياً إلا في حدود الدائرة الصغيرة!
أكاد أن أقول ضمن جدران الصف المدرسي الواحد. ليس منتِجاً أن يجلس جميع تلامذة المدرسة في مدرج كبير!