إعلان غير موفق!

قصة قصيرة

ابو زيزوم
لنا صديق دمث ، ذو اسلوب شيّق في الحديث ، يتحفنا كل ليلة بقصص ممتعة من تجاربه في الحياة وثقافته الواسعة ، حتى امسى لولب السهرة فإن لم يحضر تفرقنا مبكرين. وأكثر ما يستهوينا في احاديثه تلك الحكايات الراشحة من ايام شبابه الموشاة بعطر الانثى في غضونها . استطاع مع الايام ان يستولي على وجداننا فنأتي متلهفين لسماع جديده . بل ان الفضول يدفعنا في نهاية السمر لإستحصال تنويه منه عن موضوع الليلة القادمة. وفي نهاية احدى الجلسات وبينما نحن نتأهب للإنفضاض طالبناه كالمعتاد بتلميح عن حديث الغد ، فتولاه الوجوم واطرق كأنه يغوص في زمن سحيق ثم رفع إلينا وجهاً تكسوه غمامة شفيفة من الحزن وقال : مَن منكم يتذكر ڤيديو اغنية (سوده شلهاني) لحميد منصور ؟. رد بعضنا بالإيجاب وآخرون بالنفي وأردف هو : بين الجمهور الشاهد لتلك الحفلة امرأة بملابس حمراء كانت تبكي … وتوقف قليلاً عن الكلام ليعطينا فرصة الانتقال الذهني الى تلك الاجواء ثم أكمل : هي موضوعنا غداً . وانصرف دون اضافة كلمة واحدة ، وتفرقنا على عجل ليكب كل منا على اليوتيوب بحثاً عن الاغنية والمرأة المخضبة بالأحمر .
أنا أمضيت ليلتي ادقق النظر في وجهها وأحاول جاهداً استنبات قصة عاطفية حالمة من ملامحها ، وأحسب ان زملائي فعلوا الشيء ذاته كلٌ بطريقته . واجتمعنا في الموعد لا ينقصنا الا الراوي تأخر فاستثمرنا عدم وجوده للاستغراق في التحليلات وما استقر عليه كل منا . كنا نتجادل ونعود الى الڤيديو لاستيضاح أدق التفاصيل ، وقمنا بتكبير الصورة وأطلنا النظر الى تعابير وجه المرأة والطفلة الصغيرة الى جانبها والرجل بالغترة والعقال في الجانب الثاني! لقد تأملناه ملياً وحاول بعضنا القول انه محدثنا الذي سيصل بعد قليل ليفك الرموز المبهمة.
احد الاصدقاء زعم ان المرأة لم تكن تبكي وهي تتابع حميد منصور وانما كانت تصفق بانشراح . ولم نقم هذه المرة بتشغيل الڤيديو للتأكد وانما توليت انا توبيخ هذا الصديق كما لو انه تفوه بالكفر . ولاقى توبيخي له استحسان الجميع لأن في داخل كل منا قصة مبنية على بكاء المرأة لا نريد لها أن تتكدر . ودخل البطل فانتفضنا واقفين تداعب قلوبنا رغبة شذية بالهتاف (هلا بيك هلا وبجيتك هلا) . وطالبناه على الفور بالشروع دون مقدمات.
تبسم من علياء وقاره المهيب وقال بنبرة اعتذارية انه لا يعرف عن تلك المرأة شيئاً البتة ، وانما رآها كما رأيناها اثناء مشاهداته المتكررة لتلك الاغنية الاثيرة لديه. وسكت فلم نعقب بشيء اذ تولانا جميعاً صمتٌ مشحون !. وجدنا انفسنا نبحث عن طريقة نواري بها جثث القصص الحالمة التي تفنن خيالنا في حياكتها طوال الليل . أهو مقلب فظ أوقعنا فيه صديقنا اللبيب ؟.
ما زلنا واقفين منذ ان استقبلناه بلهفة ، وما زال السكون مخيماً علينا . واستبق صاحبنا موجة اللوم والغضب الحتمية بالقول انه فعل ما فعل فقط ليفرض علينا الاستمتاع بجمال تلك الاغنية العذبة . وللتخفيف من شعورنا بالاحباط بشّرنا بقصة عاطفية من ماضيه سيشنف بها آذاننا . وطلب منا قبل ولوج القصة المشتهاة ان نتوقف قليلاً عند (سوده شلهاني) ما دمنا جميعاً قد سمعناها . وكانت المفاجأة أن أحداً منا لم يسمعها رغم تقليبنا لشريطها طوال الليل .. فقد كانت حواسنا مصوبة بالكامل الى المرأة ذات الرداء الاحمر وما عساه يختفي وراءها من أسرار . هل هذا معقول ؟ نعم معقول . وقام بتشغيل الڤيديو فغبنا مع ترانيمه الشجية عن الوجود كأننا نسمعها للمرة الاولى لا تحجبها عن ارواحنا الهائمة امرأة ترفل بأثواب حمراء .
( ابو زيزوم _ 1128 )

2021-11-09