رحلة سفينة نصـ ـرالله بين زمنين!علي شكري
حين أعلن السيد نصـ ـرالله في خطابه يوم عاشوراء، انطلاق سفينة المازوت الإيراني في طريقها إلى لبنان، ثم طوَّبها “أرضاً لبنانية” بحركة من إصبعه، لم يشك أغلب جمهور المقاومة في أنها ستصل إلى مقصدها في نهاية المطاف، حتى لو واجهت بعض العراقيل هنا أو هناك..
ولكن، هل كان الأمر بهذه البساطة حقاً، أم أن ثقتنا بمصداقية السيد هي التي جعلتنا نثق بوعده؟
لو قلَّبنا المسألة من منظور محايد، لوجدنا أن هذه المغامرة كانت تبدو محفوفة بالمخاطر والثغرات التي يمكن أن تمنح الأعداء المتحفزين ذرائع لاستهدافها..
فالسيد ليس لديه الصفة القانونية أو الدستورية لتحديد ما تعنيه “أرض لبنانية” من خارج نصوص قوانين البحار.
وحزبه محظور ومصنف “إرهابياً” من قبل صفوة دول “المجتمع الدولي” المهيمن.
والنفط مادة استراتيجية ذات استخدام مزدوج مدني/عسكري، إذ يمكن أن يستخدمه الحزب أيضاً لتشغيل آلياته العسكرية وترسانة صواريخه التي تعمل بالوقود السائل.
وفضلاً عن كل ذلك، كان ثمة شبهة في إمكانية استخدام الحزب لتلك السفينة في تهريب المزيد من السلاح.
وأخيراً وليس آخراً، فإن العملية برمتها تندرج في سياق مواجهة كبرى يخوضها الحزب ضد أمريكا وأذنابها في لبنان والمنطقة.
ولكن، وعلى الرغم من كل ذلك، أكملت سفينة نصـ ـرالله الأولى رحلتها بسلاسة، وانطلقت سفن أخرى على مسارها، فيما قد يتحول إلى خط ملاحي مستدام.
لن تتضح الأهمية التاريخية للتحول الاستراتيجي الذي تجلى في وصول سفينة نصـ ـرالله 1 إلى ميناء بانياس بسلام في منتصف شهر أيلول الجاري، بدون أن نلقي نظرة على تاريخ الملاحة في تلك البحار التي شقّت عبابها.
فقد ظل المحيط الهندي والبحار والخلجان المتصلة به، مسرحاً مفتوحاً للتجارة والتفاعل الحضاري السلمي منذ أواسط الألف الثالثة قبل الميلاد. وعبره انتشر الإسلام سلمياً، بلا سيوف أو خيول، ليعم شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا بتأثير بعثات وجاليات تجارية يمانية وحضرمية وعمانية استوطنتها. ولكن ما أن اكتشف البرتغاليون طريقهم إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح (1497)، حتى حوّلوا مياهه وسواحله إلى جحيم لا يطاق؛ حيث دأبوا على مهاجمة كل سفينة للمسلمين يصادفونها في طريقهم، فينهبونها ويقتلون بحارتها وركابها، ويقصفون ويحتلون مرافئه وجزره الاستراتيجية. وفي إحدى الوقائع، استولى البرتغاليون على 17 سفينة تعود ملكيتها للسلطان المملوكي قانصوه الغوري في بحر العرب، فابادوا طواقمها ومعهم مئات من الحجاج كانوا على متن إحداها. وأدى ذلك إلى توقف شبه تام لتجارة الترانزيت المملوكية بين جنوب-شرق آسيا وأوروبا عبر مصر، وتالياً، إلى دخول المماليك في صراع بحري ضارٍ مع البرتغال، بدعم مباشر من العثمانيين، دام لأكثر من عشر سنين، بلغت ذروتها في معركة ديو (1509)، والتي انتهت بهزيمة مريرة للتحالف المملوكي-العثماني-الهندي. وأدى ذلك الصراع في نهاية المطاف إلى استنزاف وإفلاس دولة المماليك، ما سهل سقوطها لاحقاً في يد العثمانيين.
بعد ذلك تابع العثمانيون الصراع مع البحرية البرتغالية لأكثر من سبعين سنة أخرى، وصلت أساطيلهم الحربية خلالها إلى حلفائهم في سواحل الهند (حصار ديو 1531) وشرق أفريقيا (1585-89) وأندونيسيا وماليزيا ومضيق ملقا (1565-71)..
كذلك احتل البرتغاليون جزيرة هرمز في أوج عظمة الدولة الصفوية ومؤسسها الشاه اسماعيل (1505)، ومكثوا فيها حتى العام 1622، حين تمكن الشاه عباس الكبير من تحريرها بالتحالف مع الإنكليز، الذين سرعان ما حلوا، هم والهولنديين، محل البرتغاليين في الهيمنة على البحار الشرقية.
ومع أن الدولة العثمانية كانت أعظم امبراطوريات ذلك الزمان، وسلطانها سليمان القانوني أعظم سلاطينها، وإلى جانبها امبراطوريات أخرى لا تقل عظمة، مثل مُغال الهند ومينغ الصين وصفويي فارس، فإنهم عجزوا جميعاً عن وضع حد للعربدة البرتغالية، وحماية حرية وسلامة تجارتهم عبر ذلك المحيط.
أما في البحر المتوسط فإن الهيمنة الغربية عليه أكثر قدماً، إذا تعود إلى فترة الحروب الصليبية على أقل تقدير، ولم يقطعها سوى فترات قصيرة من صعود البحرية العثمانية، كان أطولها في القرن السادس عشر، حتى هزيمة الأخيرة أمام ما يسمى “الحلف المقدس” في معركة ليبانتو 1571.
عقب الحرب العالمية الثانية انتقلت الهيمنة البحرية العالمية إلى الولايات المتحدة بلا منازع. فهي، مثلاً، ورغم تعاظم قوة الصين، لا تزال تسيطر على كل مسالك التجارة البحرية للثانية، ليس في مضيق ملقا الاستراتيجي فحسب، بل وتتحرش بها في عقر دارها—بحر الصين الجنوبي. ونظراً لأن الصين لا ترغب في المواجهة العسكرية، فقد وجدت الحل جزئياً في إحياء طريق الحرير الأوراسي البري القديم. ومع نشوء حلف “أوكوس” الثلاثي مؤخراً، وقبله حلف “كواد” الرباعي، يتجه الصراع هناك إلى المزيد من التصعيد.
إذن فنحن نتحدث هنا عن أكثر من خمسة قرون من الهيمنة الغربية على حركة الملاحة في بحارنا، كانت حافلة بالقرصنة ونهب ثروات الشعوب واستعبادها. وحتى الأمس القريب، وتحديداً في تموز 2019، احتجزت سلطة المستعمرة البريطانية في جبل طارق الناقلة الإيرانية أدريان داريا 1، التي كانت تحمل مشتقات نفطية إلى سورية أثناء عبورها للمضيق الدولي، بحجة أنها كانت تخرق “العقوبات” على سورية (!) ولم تفرج عنها إلا بعد أن ردت إيران الصاع صاعين للامبراطورية الشمطاء وأذلتها. وبعدها، لم يجرؤ أحد على اعتراض الناقلات الإيرانية حتى عندما عبرت الأطلسي لكسر الحصار الأمريكي على فنزويلا البوليفارية الشقيقة. وكان ذلك إنجازاً هاماً ولا شك على طريق تأمين مسار سفن نصـ ـرالله لاحقاً.
بيد أن التأسيس الحقيقي لذلك الإنجاز، كان في خطاب السيد يوم عيد المقاومة والتحرير، 25 أيار 2010، حيث قال: “في اي حرب مقبلة اذا حاصرتم ساحلنا وموانئنا فإن كل السفن المدنية والعسكرية التي تتجه الى موانئ فلسطين على امتداد البحر المتوسط ستكون تحت مرمى صواريخ المقاومة الاسلامية”. تلك المعادلة، وبالاستناد إلى سابقة ضرب الفرقاطة ساعر 5 خلال حرب تموز 2006، كانت كافية لإفهام العدو ما قصده السيد بإعلان الناقلة التي تحمل الوقود إلى لبنان “أرضاً لبنانية”. كما تدرك “إسرائيل” أن بإمكان الجناح الجنوبي-الغربي للمحور، الممتد من غزة إلى صنعاء، إغلاق البحر الأحمر أيضاً أمام ملاحتها. وهكذا، وبفضل هذه المعادلة العبقرية، وتآزر قوى المحور، أصبح بإمكان حركة مقاومة في بلد صغير محاصر تمزقه النزاعات مثل لبنان، أن يحمي تجارته ومصالحه في أعالي البحار. وفيما ينشغل تجار وكهنة السيادية الكيانية بسفاسف الحدود والجمارك، تعمل قوى المقاومة استراتيجياً على استراد سيادة الأمة على بحارها ومواردها، والإطاحة بكل الحدود والجمارك التي زرعها المستعمر في جسدها.
وكما فعل الأسرى الأبطال الستة في معتقل “جلبوع”حين حفروا بأظافرهم نفقاً قرَّبهم من لحظة استراد حريتهم وإن لم يوصلهم إليها فعلياً، فإن مأثرة رحلة سفينة نصـ ـرالله لا تقاس بالمسافة التي قطعتها بسلام وشموخ من بندر عباس إلى بانياس، بل باقتحامها لأفق زمن جديد يطوي أكثر من خمسة قرون من الحصار والإذلال.
2021-09-27