الانتخابات العراقية … 3!ابو زيزوم
المخطط الايراني
سنة 2004 دعا عبد العزيز الحكيم الى تغريم العراق مئة مليار دولار لصالح ايران تعويضاً لها عن خسائرها في حرب الثمانينيّات . كان واحداً من ابرز السياسيين العراقيين في تلك الفترة لكنه قال هذا الكلام بصفته شخصاً ايرانياً لا عراقياً . فمن غير المعقول ان يتطوع سياسي للمطالبة بتغريم بلده هذا المبلغ تحت اي ظرف او مبرر . والسؤال هنا هل تعتبر ايران وجود مثل هؤلاء السياسيين على رأس السلطة في العراق كافياً لتحقيق اهدافها ؟. الجواب الحصيف هو لا ، فهؤلاء بشر قد يموتون وقد يغيّرون مواقفهم وقد يتراجع دورهم لصالح قوى اخرى ربما من نفس الحزب تعتبر العراق أولاً . من هنا تعاملت ايران مع الاحزاب الشيعية كما تتعامل مع درجات السلّم تصعد عليها للإرتقاء الى مواقع اعلى .
في المرحلة الاولى من الاحتلال كانت ايران تحتاج هذه الاحزاب اكثر من حاجة الاحزاب لها مخافة ان يصطف بعضها مع الاحتلال على حسابها . لذلك كانت تظهر لهم مقادير من الحرص والايثار تبدو مجانية وبالعزف المستمر على ايقاع المشتركات وخاصة العامل الطائفي والهوية الدينية والتخويف من الاخرين . استمرت على ذلك حتى نجحت في كسب ثقتهم جميعاً او ثقة اغلبهم ، علماً ان بعضهم يولي ايران ثقة مسبقة ومطلقة . فتحول الايرانيون الى عرّابين لحل الخلافات بين الاحزاب وهي خلافات في عمومها غير سياسية وانما تخص المناصب والمنافع .
بدخول ايران الى المطبخ السياسي ومن ثم هيمنتها عليه اصبح نشاطها يتمحور على خلق توازنات وزيادة عدد الاقطاب كي يصبح إقصاء اي طرف سهلاً ولا يثير مشكلة . فلما انتبه السياسيون العراقيون واحزابهم الى هذا الواقع المستجد لم يعد بوسعهم فعل شيء والسبيل الى نيل حصة من الصفقة تقرره اطراف محسوبة على ايران مباشرة لمن يخفق في التواصل المباشر مع مسؤولين ايرانيين ينتسبون الى السفارة او يأتون من مسميات اخرى . ولم يعد هذا الامر قاصراً على السياسيين الشيعة فالسنة ايضاً فهموا اللعبة وسلكوا الطريق تباعاً .
الى جانب ذلك وبما يضاهيه يوجد جهد مخابراتي لن ندخل فيه لأنه وان كان مؤكداً وحتمياً فإن الحديث عنه يقوم على مجموعة افتراضات لا تناسب الموضوع . والجانب الثالث هو الاذرع العسكرية والتي ابرزها حتى عام 2014 كانت منظمة بدر . اما الصدريون ومسلحوهم فلا يدخلون في هذا السياق عدا الذين انشقوا عنهم . التطور الهائل في هذا الجانب حصل بعد هجوم داعش 2014 . فقد جاء ذلك في الوقت المناسب تماماً لإيران ، واستثمرته أبرع استثمار . حيث انفتح الباب على مصراعيه لتشكيل فصائل مسلحة بالجملة تقاتل الارهاب ثم تستمر لتأدية مهام اخرى سياسية او اقتصادية او غيرها . لا اقول ان جميع فصائل الحشد تخضع لنفس التوصيف ، فهي كثيرة ومنوعة المشارب الا ان بعضها مرتبط بإيران مباشرةً وهناك بين قادتها من يقر بذلك علناً ويتفاخر به .
حين نقارن الدور الايراني في كل من العراق ولبنان واليمن نسجل الملاحظة الهامة التالية : في لبنان يوجد حزب مسلح واحد موالي لإيران . وفي اليمن ايضاً حزب مسلح واحد موالي لإيران . اما في العراق فتوجد عشرات وربما اكثر من الجهات والواجهات والاحزاب والمنظمات والفصائل والشركات التي يستحيل حصرها اذا كان مجرد تعداد اسمائها يشكل معضلة . ثم كيف لك ان تعرف ايها تابع لإيران مباشرة او مداورة ما دامت اغلبيتها الساحقة تردد ذات الخطاب الاعلامي وتحيط هياكلها التنظيمية بالغموض !.
والتفسير الذي انا مقتنع به يندرج تحت بند زيادة عدد الاقطاب المشار اليه اعلاه . فلو فرضنا ان ايران اعتمدت حزباً سياسياً واحداً بذراع عسكري وبنت عليه كامل مشروعها السياسي وبعد حين غيّر بوصلته وانحرف عن المسار ماذا يكون مصير المشروع الكبير المستند عليه ؟ لا شك انها كارثة سياسية بجميع المقاييس . اما الان وأمام هذا الكم الهائل من الاصدقاء والحلفاء والشركاء والتابعين لإيران لم تعد هناك مشكلة فيمن يتقدم او من يتراجع على مبدأ هارون الرشيد عندما قال للغيمة ( أمطري حيث شئتِ فخراجكِ لي ) .
بقي القول ان هذا الجهد المثابر والمبدع لم يتم فوق طرق معبدة وإنما واجه عقبات كبرى بعضها عصية فتغلب عليها من خلال الاستعانة بمسوغات حسنة البلاء ، وهو ما سيكون موضوعنا القادم .
( ابو زيزوم _ 1099 )
2021-09-24