التَّطوير السِّياسيّ على أصوله!
سعود قبيلات.
رئيس اللجنة المسمّاة «لجنة تطوير المنظومة السِّياسيّة» (أو ربَّما كانت باسمٍ آخر مِنْ هذا القبيل) يرى أنَّ الشَّعب الأردنيّ يحتاج إلى عشرين سنة كي يكون جاهزاً للحصول على حكومة برلمانيّة! ثم يكمل قائلاً إنَّ الملك أصرّ على خفض المدَّة إلى عشر سنوات!
يتكلَّم الرَّجل بثقة وجزم، ويَكرَم ويجزل في الكرم على حساب الشَّعب الأردنيّ ومصالحه وحقوقه.. كأنَّه مُنتَدَب منه ومخوَّل بالتَّعبير عن رأيه وتمثيل مصالحه! وهذا بينما الشَّعب جالس على الرَّصيف (أو بالأحرى موضوع على الرَّصيف، رغماً عنه) وينظر باستغراب إلى القوم وهم يتداولون في شؤونه وشؤون بلاده ويزيدون وينقصون مِنْ دون أن يكلِّف أحدٌ منهم خاطره بسؤاله عن رأيه.
وهنا، أتذكَّر شخصيّة المحكوم بالإعدام في قصَّة فرانز كافكا «مستوطنة العقاب». أنصح بقراءتها؛ ففيها الكثير من العِبَر عن مختلف جوانب الحياة الإنسانيّة. بل أنصح بقراءة كافكا كلّه، في هذه المناسبة. ومن الجيّد، بعد ذلك، الانتقال إلى قراءة أنطون تشيخوف.
على أيَّة حال..
ثمّة مفارقات أخرى عديدة في كلام «رئيس اللجنة» لا بد من التَّوقُّف عندها:
1. يتكلَّم «الرَّئيس» عن 20 سنة، متجاهلاً أنَّ المدّة هي في الحقيقة 120 سنة (ومع التَّخفيض الَّذي أُجري عليها تصبح 110 سنوات)؛ فالنِّظام لم يُستقدَم إلى البلاد اليوم، بل قبل 100 سنة.. هل يجب أن نذكِّرهم بأنَّهم احتفلوا منذ مدَّة قريبة بمئويَّة استقدام النِّظام إلى البلاد؟! أم أنَّهم يعتقدون أنَّ الشَّعب لا يدقِّق ولا يتذكَّر؟!
ورغم كلّ هذه المدَّة الطَّويلة، فإنَّ الشَّعب، برأيهم، لم «ينضج» بعد ولم «يتأهَّل» للحصول على «حكومة برلمانيّة»!
في الواقع، السُّؤال الَّذي يجب أن يُسأل بجدّ هو: من الَّذي لم يتأهَّل بعد.. الشَّعب أم هم؟
2. يتكلَّم «رئيس اللجنة» أيضاً عن حكومة برلمانيَّة «حافّ» (أو «سِكّ»، إذا ترجمناها إلى لغة البعض)، ولكنَّه لا يقول شيئاً عن وجوب امتلاك هذه «الحكومة البرلمانيَّة» للولاية العامّة.. ما يعني أنَّها ستكون مثلها مثل الحكومات «غير البرلمانيّة» مجرَّد واجهة للحكم الفرديّ المطلق. وربَّما سيحتاج الشَّعب الأردنيّ إلى 120 سنة أخرى (أو 110، على الأقلّ) ليتمَّ التَّكرُّم عليه بحكومة برلمانيّة ذات ولاية عامّة!
الشَّعب الأردنيّ كان جاهزاً ليحكم نفسه بنفسه، قبل استقدام هذا النِّظام؛ تؤكِّد ذلك الوقائع التَّاريخيّة، وخصوصاً وثائق المؤتمرات الوطنيّة الَّتي عُقِدَتْ في العام 1920 («مؤتمر قَمْ»، و«مؤتمر أم قيس»، و«مؤتمر السَّلط») ثمّ جاءت سلسلة المؤتمرات، الَّتي عُقِدَت في العام 1928 بعد توقيع «الاتِّفاقيّة الأردنيّة البريطانيّة» المذلّة، ابتداءً بـ«المؤتمر الوطنيّ الأوَّل» الَّذي عُقِدَ في «مقهى حمدان» في عمَّان.
وعدا عن وثائق هذه المؤتمرات، فإنَّ فكرة مناقشة الشَّأن العامّ – وخصوصاً خطط إقامة الدَّولة – عبر مؤتمراتٍ وطنيّةٍ ممثِّلةٍ هي بحدِّ ذاتها فكرة ديمقراطيّة متطوِّرة، وتدلّ على أنَّ الشَّعب كان مؤهَّلاً منذ ذاك لحكم نفسه بنفسه.
ولنفرض أنَّه ليس مؤهَّلاً؛ فماذا كان يفعل النِّظام، إذاً، طوال المائة سنة الماضية.. هذا إذا أخذنا بجدّ زعمه بأنَّه حريص على «تأهيل» الشَّعب للحياة الدِّيمقراطيّة والسِّياسيّة السَّويَّة؟
إنَّ ذلك لا يعني، في هذه الحالة، سوى أمرٍ واحد، وهو أنَّ النِّظام فشل فشلاً ذريعاً في القيام بدوره.. رغم أنَّه مُنِحَ كلَّ هذه المهلة الطَّويلة.. فهل سينجح خلال عشر سنين (أو عشرين سنة) في تحقيق ما لم ينجح في تحقيقه طوال المائة سنة الماضية؟!
في كلّ الأحوال، الشَّعب الأردنيّ لا يستحقّ أن يكون واحداً مِنْ آخر عشرة شعوب في العالم (وفي التَّاريخ) محكومة بأنظمة حكم فرديَّة مطلقة!
وفي الواقع، طوال المائة عام الماضية، استخدم النِّظام كلّ الأساليب والوسائل المتاحة مِنْ أجل إلغاء أهليَّة الشَّعب لحكم نفسه بنفسه (وليس تطويرها) وأعاد البلاد إلى الوراء عهوداً طويلة في هذا المجال. وذلك عبر القمع الممنهج، وتجريف الحياة السياسيّة، ونشر الفرقة والانقسام بين مكوِّنات المجتمع، وشيطنة الحزبيّة عموماً، وتشجيع الفهلوة والوصوليّة والانتهازيّ والنَّزعة الفرديَّة.
وطوال تلك المدّة المديدة، تمّ استبعاد الشَّعب تماماً عن إدارة شؤون بلاده، وحُرِم من التَّعبير الصَّحيح عن إرادته.
أوَّل رئيس حكومة تمَّ استقدامه من الخارج لتولِّي هذا المنصب، وهو رشيد طليّع، كان رجلاً محترماً كما يبدو، فكان لديه شيء من الحرص على مراعاة الأصول؛ لذلك اشترط أن يتمَّ وضع قانونٍ لمجلسٍ تشريعيٍّ منتخبٍ يمثِّل أهل البلاد، وأن تُجرى الانتخابات التَّشريعيّة سريعاً على أساسه. وقد ووفق على شرطه ذاك، لكن لم يتمّ التَّنفيذ بل جرى التَّسويف مراراً وتكراراً. الأمر الَّذي دفعه إلى تقديم استقالته. ثمّ وُعِدَ مرَّةً أخرى بتحقيق مطلبه، وأُعيد على هذا الأساس إلى منصبه.. لكن الوعد لم يُنفَّذ أيضاً، كما أنَّه فوجئ ذات يوم بالطَّيران الحربيّ الإنجليزيّ وقد استقرَّ في ماركا مِنْ دون علمه، فاستقال للمرَّة الثَّانية والأخيرة.
وبعد ذلك، جيء (من الخارج أيضاً) برئيسٍ للوزراء لم يكن يقيم وزناً لا للشَّعب ولا لفكرة التَّمثيل الشَّعبيّ، وهو عليّ رضا الرِّكابي. وقد حكم البلاد بالقمع وتقييد الحرِّيَّات، مستعيناً على الشَّعب بالوجود العسكريّ الإنجليزيّ. ولمعرفة القيم والأخلاق الَّتي كان يستند إليها الرِّكابيّ، يمكن الرّجوع إلى كتاب «عامان في عمَّان» لخير الدِّين الزركلي.
3. في قسمٍ آخر مِنْ كلامه، يتحدَّث «رئيس لجنة تطوير المنظومة السّياسيّة» عن «الأحزاب البرامجيّة» الَّتي سيتمّ استزراعها – كما يبدو – عند اصطناع «الحكومة البرلمانيّة». والحقيقة أنَّ مصطلح «الأحزاب البرامجيّة» هو مصطلح لا معنى له، ابتكره بعض اليساريين السَّابقين الَّذين تحوَّلوا إلى الليبراليّة في العقود الأخيرة. وقد كانت غايتهم مِنْ ذلك هي تبرير تحوّلهم عن أفكارهم اليساريّة وتبنّيهم لنقيضها. والسُّؤال هو: هل يوجد حزب في الواقع بلا برنامج؟
مبتكرو هذا المصطلح المتهافت كانوا في الحقيقة يقصدون الكلام بوساطته عن حزبٍ بلا أيديولوجيا. والأيديولوجيا، بالنِّسبة لهم، هي الأيديولوجيا اليساريّة تحديداً، متجاهلين أنَّ الليبراليَّة الَّتي تحوّلوا إليها هي أيديولوجيا أيضاً، وأشدّ تعصّباً مِنْ أيديولوجيتهم السَّابقة، بل إنَّها تصل في بعض جوانبها إلى مستوى تعصّب الأيديولوجيا الدِّينيَّة.
وفي كلّ الأحوال، هل يمكن لحزبٍ أن يصوغ برنامجه السِّياسيّ الاجتماعيّ الاقتصاديّ مِنْ دون أن يستند إلى رؤية أيديولوجيّة سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة؟ إنَّه، إذاً، حزب يرتجل الحلول والأفكار. فهل تُدار الدّول بالارتجال؟!
الحزب الَّذي يزعم أنَّه بلا أيديولوجيا، إمَّا أنَّه غير واعٍ لأيديولوجيَّته أو أنَّه يراوغ ويتعمَّد إخفاءها لأنَّه لا يستطيع أن يقدِّم نفسه بها إلى الشَّعب.
أمَّا رئيس «لجنة تطوير الحياة السِّياسيّة»، فمِن الواضح أنَّه، عندما يتكلّم عن «الأحزاب البرامجيَّة»، فإنَّما يقصد أحزاباً تلائم «الحكومات البرلمانيّة» الَّتي تكلَّم عنها والَّتي ستكون مجرَّد واجهات للحكم الفرديّ المطلق..
حكومات برلمانيّة بلا ولاية عامّة (في أكثر الأحوال طموحاً مثل المغرب؛ حيث القرار الحقيقيّ والنِّهائيّ بيد الملك)، و«أحزاب برامجيَّة»، حربائيَّة في الواقع، جاهزة للتّلون حسب الطَّلب وحسب شروط الأوتوقراطيَّة، وستكون بلا برامج في الحقيقة سوى ما يأتيها مِنْ موظَّفي الدِّيوان الَّذين أصبحوا يُعدّون بالآلاف.
باختصار..
هذا ليس كلاماً جادّاً يؤمل منه التَّغيير والتَّطوير، بل هو نوعٌ من الكلام الَّذي يصلح لتعبئة الفراغ في لعبة الكلمات المتقاطعة..
فإلى اللقاء، إذاً، في المئويّة القادمة.
2021-08-06