-الانسايوان- والطبيعة: مقاربتان عقليتان؟/3!
عبدالامير الركابي.
بتعبير اكثر وضوحا: فان الكائن البشري مكتوب له وعليه المرور بنوعين من الاعقال لذاته ووجوده، الأول اعقال “انسايواني” يحل مع انتكاسة العقل الازدواجي التحولي وقصوره دون مقاربة، او دخول عالم التحقق واقعا، والأخر “الإنساني” هو ما ينتهي له العقل حين يبلغ اعلى درجات، او ممكنات تصيّرة داخل المجتمعية، الى ان يصير قادرا على ادراكها والاحاطة بمكنونها ومضمرها، ومن ثم بالقانون الناظم لحركتها ومآلها.
والرؤيتان تنزعان بداهة الى توحيد العالم والعقل لمقتضاهما، ومايوافق طبيعتهما، فتنفي بناء عليه احداهما الأخرى، وتخرجها من عالم الفعل والمشروعية قدر مايمكنها، في وقت لاتكون الاشتراطات الوجوديه ملائمه للاحادية المطلقة، ف الاعقال “الانسايواني” ينشا ويتكرس فعليا، ليس باعتباره وبما هو المعبر عن الضرورة، او المتطابق معها، بقدر مايكون من باب الامر الواقع الغالب، المدعم بنوع بنية مجتمعية هي الأحادية، الاشمل وجودا كنمط على مستوى المعمورة، مقارنة بالنمطية الازدواجية المفردة الوحيده على مستوى الكوكب.
فالحقيقة المجتمعية، ومضمرها وماتنطوي عليه وتتوافق مع القوانين التي تسيره، موكولة لمجتمعية الازدواج التي هي مجتمعية التحولية بنية وكينونه، وتعبيريتها هي الابقى بحكم كونها الاكثر تطابقا مع الحقيقة التصيرية المجتمعية وقوانين حركتها، فاذا هي انتكست او وجدت ابتداء عاجزة عن تحقيق ماهي ميسرة له ومصممه لادائة وجودا، فان انتكاسها لايكون باية حال سوى محطة وحلقة ضمن مسار متجه نحو غاية مقررة ومحددة، وهو مالا تتمتع به الرؤية او عملية الاعقال الأحادي “الانسايواني”، المحكومة للزوال عند النهاية وساعة توفر الأسباب والاشتراطات الضرورية التي كانت تنقص البنية الازدواجية، وحالت دون تحققها على الصعيدين الاعقالي الاولي والمادي.
فالازدواج أساس واشمل حضورا، يجد مايدعم فعله داخل المجتمعات كافة، بحكم كونها أصلا ظاهرة مادتها “مزدوجة”، والفرد “الانسايوان” الذي منه تتكون، هو كائن “مزدوج الكينونة” من (عقل/جسد)، بخلاف وبغض النظر عن إصرار الأحادية على جعله موحدا و ” احاديا” كما ترى الى المجتمعية معه، هذا يجعل من الأحادية غير قادرة على الفعل في المجتمعية الازدواجية مبدئيا، بل على العكس، تتاثر هي على المدى الابعد، وتخضع لقوة مفعول الازدواج الذي لن يلبث في نهاية المطاف ان يغدو شاملاـ بحيث يلحق المجتمعات الأحادية بنفس القوانين والايقاع الناظم لنمط ووجود المجتمعية اللاارضوية، ونحن نرى على سبيل المثال وعلى مر القرون، بان المجتمعات الأحادية مخترقة بالرؤية النبوية السماوية الازدواجية كحال يبلغ مستوى الخاصية الثابته التكوينيه في المجتمعات الأحادية، ويصل لدرجة الفعل فيها، لحد خلخلة وتغيير بنيتها كما حدث مثلا مع فارس، او حتى روما واوربا التي تقف وراءها، حين اخترقتهما القراءات الابراهيميه، والحقتهما بها الى اليوم الحاضر، الامر الذي وصل في حالة فارس، الى استبدالها كينونتها بالقراءة الابراهيمه بحيث ماعادت تنتج الإمبراطورية العبودية السابقة على دخول الإسلام اليها.
الظاهرة المشار اليها، يقابلها حضور “الفلسفة” التعبير الأحادي الأعلى والارفع، والتي توجد وتنتشر باعتبارها مصدر تفكرية نخبوية، ليس لها ان ترتقي بحيث تصبح خيارا حياتيا، الامر الذي برز بعض مايشير له كمطمح متأخر عبر “الاشتراكية الماركسية” النظام، او غيرها من اشكال الشموليات، وصولا حتى الى الليبرالية التي وجد من يعتبرها العتبة التي عندها “ينتهي التاريخ”،وهو مالا تزكية الوقائع المطردة، والتجربة على قصرها ومحدوديتها الزمنية، مع ماهو ظاهر من انتفاء أسباب استمراريتها السريعة بعد تازماتها، وانهيارات بناها الكارثية الحاصلة والوشيكة.
تطمح الفلسفة في أواخر تجلياتها، لان تغدو نظاما حياتيا معاشا، في حين توجد الرؤية اللاارضوية الأولى الابراهيمه وتتغلغل في المجتمعات، وتثبت راسخة بما يشبه البداهة والتفاعل الوجودي التكويني مع الفكرة، هذا علما بانها هي الأخرى مؤقته كما حال طبعتها النبوية المحكومة الى الحدس، لا الى الادراك الضروري اعقالا مكتملا،معه تستكنه الحقيقة المطوية المضمرة في الظاهرة المجتمعية، أي بما هو المطمح الاعقالي الأخير، المتناسب مع، والذي يلبي ضرورة مطابقة الإرادة، مع استهدافات عمل الاليات والسيرورة، ومقتضبات التصيرية التاريخيه المجتمعيه.
الاعقال الإنساني للوجود وللظاهرة المجتمعية، هو الاعقال التحولي الازدواجي، يبدا اسطوريا، ثم توحيديا نبويا، ابان انتكاسته الأولى، وتعذر تحققه اعقالا وماديا، وهو الاعقال الوحيد مقابل اعقال اخر ادنى، يشيع خلال فترة النكوص التحولي الأولى، هو الاعقال “الانسايواني” مجسدا بالفلسفة، ومايتصل بها ويواكبها من اشكال اعقال تابيدية أحادية، وجودها دال على تأخر ظاهرة “الانسان”، أي الكائن البشري المتحرر عقلا من سطوة وقوة اثر وفعل الجسدية الحيوانيه، العالقه به من زمن التحول والنشوء الحيواني الأول، السابق على انبثاق العقل في الجسد الحيواني.
ينتظر اليوم ومن هنا فصاعدا، ظهور وبداية تبلور ملامح الكائن “الانسان” على انقاض ” الانسايوان” وزمنه المؤقت الانتقالي، اللزومي والضروري، الذي لابد منه لاكتمال عملية تصير الكائن البشري الى ماهو موجود لبلوغه، بينما تشخص متعاظمة لحد الاستحالة، مهمة اطراح وطاة وثقل عالم الأحادية المكرس عبر عشرات القرون على الجبهتين، الاحادية ومتبقياتها ومفعولها المعاش المتراكم من ناحية، اضافة لنوع الاعقالية اللاارضوية النبوية، الوجة الثاني المنبثق ضمن اشتراطات الانتكاس التحولي البدئي وقد انتهت ضرورتها ومفعولها هي الأخرى، كمؤقت وكلزوم اضطراري، مايضع العقل البشري امام مالم يعرف، ولاكان قاربة باي شكل من الاشكال ابان وجوده على كوكب الأرض، فالانتقال الكبير او البدئية الثانيه التحققية، الاخذه للتحول، هي نوع اعقال آخر، نمطا ونوعا، ومرتكزات واستهدافات.
تواجه التحولية، مالم يسبق ان عرف مثيله من قبل من أنواع او صنوف العقبات الموجبة الاضطلاع بمهام هائلة على الصعد المختلفة، من أهمها واولها، حاجتها الأساس الى التنوية بالاحادية، وتوفير الأسباب اللازمة لزحزحتها وإزالة وطاتها المكرسة والراسخه في العقل بحكم طول الزمن الذي استغرقه حضورها واولويتها، هذا من جانب اول، يقابله جانب غاية في الخطورة، يتاتى من ثقل المنجز الأول التحولي اللاارضوي المنتكس، وماقد تجلى منه لاعتبارات الضرورة الانية، ضمن شروط الانتكاس الانتظارية، ماكان تجلى ب”الوعد خارج ارضه” الابراهيمي النبوي، وقد انتهت صلاحيته وضرورته هو الاخر، وصار من اللازم تركه المكان للمنظور الازدواجي التحولي النهائي الأعلى، العلّي التحولي، بدل الحدسي النبوي الالهامي، مع قرب عملية التحول والتحقق المادي، وماتشترطة من ضرورات اعقالية من نوعها.
وقد يمكن ولو اعتمادا على مقاربة ليست مؤكده، تخيل حجم المترتب على التحديين السالفين، ومايتطلبانه من نوع وسبل مواجهة اعقالية، وعلى الصعيد العملي، مع كل ثقل الاحادوية ونمط رؤتها لذاتها، وكيفية معالجتها للظواهر، وكل أنواع التفكير المنطوية على تغيير، عدا عن احتمالية الإلغاء، وكل هذا من شانه بداهة وحتما، ان يوحي بإلغاء احتمالية الذهاب المباشر الى الصيغ العملية، او تخيلها كاحتمالية واردة، ولابد لنا هنا ولاجل التقريب من تذكر استراتيج “الوعد خارج ارضه” الابراهيمي الاول، حيث الفكرة مع اكتمال عناصرها الاعقالية، مرهونه من حيث التحقق والتحقق الأكبر العملي الختامي المحمدي، حين صارت الابراهيمة وقتها “دين ودولة”، ضمن اشتراطات استثنائية، وقبلها الصيغة المختلفة تحققا عمليا ممثلة بالقراءة الثانيه العيسوية، وهما تجليان متاخران، لم يصبحا ممكنين قبل قرون من التفاعلية الاعتقادية الدعوية النبوية، الامر الذي لايمكن اتباعه اليوم، او تصور إمكانية ترسمه كسبيل مطابق للضرورة الناشئة.
فما يبدو من أنواع العقبات الهائلة الشاخصه راهنا، قد لايكون كذلك، وانه لربما يوجد اليوم مستجلبا معه أسباب انتفائه، وضعفه التي تتجلى اول ماتتجلى، في قوة المخاطر الداهمه، والتراكمات الافنائية التي تتولد عن، وتولدت مترافقة مع وجود الغرب الالي، وما نجم عن من تدني أسباب اعقاله ومقاربته، الأحادية، مع ما يرافق مثل هذا التزاوج من تراكمات تجعل البشرية اليوم واكثر فاكثر، وبسرعات متزايده، اقرب من أي وقت مضى، من حافة الانتقال لعالم “العيش على حافة الفناء”، مايكرس ويوجد الأرضية الضرورية تحت وطاة تعاظم الاخطار المحدقة، والاسباب الداعيه والدافعه لقبول تعديل المنظور الغالب المتسيّد للحقيقة المجتمعية، ولمآلاتها، والموجبات التي صارت اليوم واكثر فاكثر، داهمه.
لن يقبل الغرب اليوم باية حال، كونه آلي تكنولوجي، عاجز عن وعي مقتضيات ماقد حققه او ادراك جوهره المناقض لبنيته، فعمل على جعله يتخذ مسارات توهميه تدميرية، لكن هذا اذا حصل، واذا كان الغرب يمكن ان يجد نفسه كذلك، مراجعة وإعادة قراءة، فان مايمكن ان نطلق عليه “تعديل ايديلوجيا الزمن الالي التكنولوجي”، واستنادا في الجوهر والاساس للمنظور التحولي، مع وجوت حضوره، وتقدمه متوفرا على أسباب التكامل الضروري، قبل ان نامل ذلك، أولا في العراق وانطلاقا منه بما هو بؤرة التحولية، ثم منطقة الاحتشاد النمطي الشرق متوسطية، قبل العالم، وبالذات الولايات المتحدة الامريكيه، الوريثة التكنولوجية لاوربا الالية، وهذا ماسنحاول مقاربته عموما في الحلقة القادمه الأخيرة.
‎2021-‎05-‎03