أمريكا … صراع الهوية!
ابو زيزوم .
مثل بلد في العالم الثالث تنهال الاتهامات بتزوير الانتخابات ، ويرفض الرئيس الإقرار بالهزيمة ، وتحشد المظاهرات لمنع الرئيس الفائز من تولي السلطة ، وتتسرب تسجيلات لرئيس الدولة يضغط على مسؤولي الولايات للتزوير كي يضمنوا له البقاء في المنصب . ويقيل وزير الدفاع لرفضه اقحام الجيش في السياسة ، ويعين وزيراً آخر في الوقت الضائع فيقرر الوزير الجديد سحب حاملة الطائرات من الخليج لخفض التوتر ، فيتدخل الرئيس ويعيد حاملة الطائرات الى الخليج لرفع منسوب التوتر .
تلك المظاهر وغيرها ليست الا الأعراض الجانبية لأزمة أعمق تمر بها الولايات المتحدة هي أزمة الهوية . تطغى على ما سواها وتستخف بكل هذه الانحرافات . بعد انتخابات 1972 انكشفت حالة تآمر حزبي للفوز في الانتخابات عُرفت بـ ( فضيحة ووترگيت ) لا تختلف عن فضيحة التسريب الجديد بصوت ترامب . فضيحة ووترگيت أطاحت بواحد من ابرز الرؤساء الامريكان رد شارد نيگسون الذي استقال مجبراً ، بينما تكاد فضيحة ترامب ان تنسى بعد يومين من ظهورها ولن يترتب عليها أثر . فالذي يشغل عقول الناس الان هذا الصراع المحتدم حول هوية الأمة والدولة بين اليمين الذي يشكل عماده العنصريون البيض المتحدرون من الأصول الانگليزية والتيار التقليدي الذي يريد الحفاظ على امريكا منفتحة ومتنوعة وليبرالية وعماده الأقليات التي يقترب حجمها من نصف السكان .
اذا عدنا قليلاً الى التاريخ الامريكي نجد ان هذا الشكل من الصراع ليس الاول من نوعه ، فقبل أربعة قرون كان اللاتين يستوطنون تلك البلاد التي عرفت فيما بعد بالولايات المتحدة الامريكية. وكان الانگلوسكسون أقلية فيها . لكن ومع بداية الصعود الاستعماري لبريطانيا تقدمت الأمة البريطانية الصاعدة بقوة الى الضفة الاخرى من الأطلسي في حركة استيطان مسلحة تمكنت من ازاحة اللاتين عبر حرب ضروس لم تتوقف حتى وصلوا ضفاف المحيط الهادي على الجانب الغربي من القارة . ولأن المهاجر اليها في تلك الحقب يعتبر متفضلاً لحاجة تلك الأصقاع الشاسعة الى من يستعمرها استمرت الهجرة من كل ارجاء المعمورة دون ان يتحسب المتغلبون الى ان هذه الهجرة المتواصلة لقرون ستؤدي يوماً الى تغيير ديموغرافيا الأمة الامريكية . ولقد تغيرت الديموغرافيا بشكل أرعب البيض من الانگلوسكسون وادركوا ان استمرار الوضع على ما هو عليه سيجعلهم أقلية في بلادهم ، فتنامت المشاعر العنصرية للدفاع عن الذات وبلغت ذروتها في الظاهرة الترامبية . أهمية ترامب انه عبّر عن تلك المشاعر العنصرية فالتفّوا عليه بهذا الحماس الجارف . وكانت أولى إجراءاته في اليوم الاول من دخوله البيت الابيض مراسيم متتالية لإيقاف الهجرة وبناء الجدار على حدود المكسيك .
ترامب هذا لو ترشح قبل أربعين او خمسين عاماً لأصبح مادة للسخرية والتندر ، ولسقط في التصفيات الأولية للحزب . اما الان فإنه بطل قومي صوت له أربعة وسبعون مليون ناخب وهم مستعدون لتكرار التصويت له غير ملتفتين لسجله الحافل بكل ما لا يعجب المواطن الامريكي.
النواب والشيوخ الجمهوريون المؤيدون له في رفض نتائج الانتخابات غير مقتنعين بأن الانتخابات كانت مزورة وانما هم مضطرون على هذا الموقف دفاعاً عن أنفسهم وإلا فسيخسرون ناخبيهم ولا يفوزون مرة اخرى . ان ترامب يفهم الامر تماماً ويريد إجبارهم على تبني التيار العنصري الهادر او الخروج من الحزب الجمهوري . او سيخرج هو (ترامب) من الحزب ساحباً معه أغلبية القواعد فيبقى الذين يبقون في الجناح التقليدي للحزب أقلية تشبه حزب الأحرار في بريطانيا تضمحل وتتلاشى .
الان وانا اكتب هذه السطور ظهر على الشاشة ان الديمقراطيين انتزعوا احد المقعدين المتنازع عليها في ولاية جورجيا لمجلس الشيوخ . والمقعد الاخر الذي ستعلن نتيجته بعد ساعة او ساعتين سيحدد مَن له الأغلبية في مجلس الشيوخ . وسنعلق على الموضوع بعد ظهور النتيجة .
( ابو زيزوم _ 965 )
2021-01-07