ماذا وراء مخرجات المناظرة التصادمية بين ترامب وخصمه الديمقراطي جو بايدن! وأكثر من سؤال.
المناظرة بين ترامب وبايدن كانت وفق خبراء “أسوأ مناظرة في التاريخ”.

بقلم بكر السباتين.. تحليل سياسي.
فقد عمتها الفوضى وضحالة التفكير السياسي وتجاوزت حدود اللباقة وآداب الحوار المتوازن الهادف، حيث سادها خطاب “رعاة البقر” وكأنها منافسة مفتوحة على رقم الحظ في لعبة بوكر بين مقامريّن أخرقيْن، وانتهت بإثارة الفتن العنصرية.
فالمرشح عن الحزب الديمقراطي جو بايدن (77 عاما) ركز على أن الرئيس الأمريكي دوناند ترامب يعد الأسوأ ممن تولوا الرئاسة في البلاد، ويمكن اعتباره أحد أسباب انتشار وباء كورونا واستفحاله في أمريكا، دون أن يبادر منذ البداية إلي تسخير كل الطاقات لتطويق الوباء الذي ما لبث يتهدد الصحة العامة والاقتصاد الأمريكي برمته.. كذلك تمكن بايدن من وضع ترامب في الزاوية من خلال اتهامه بالعنصرية وأنه فاسد كذَاب ويتهرب من تسديد الضرائب المستحقة عليه للخزينة الأمريكية..
مع أن مناظرة ترامب بايدن ـ وفق تقديرات الخبراء لا يتجاوز تأثيرها 10% على نتائج الانتخابات المقبلة.
والجدير بالذكر أنه خلال المناظرة التي تابعها عشرات ملايين الأميركيين، وفي خروج سافر عن اللباقة وأصول المناظرات، طلب المرشح الديموقراطي من الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة أن “يخرس” قبل ان ينعته في وقت لاحق بـ”المهرج”.
من جهته هاجم ترامب المرشح الديموقراطي الذي يتقدم عليه في استطلاعات الرأي قائلا لبايدن: “أنت لا تمت للذكاء بصلة”.. وإن بايدن حينما يبدي اعتزازه في أن أحد أبنائه قتل وهو يحارب في العراق مع الجيش الأمريكي، فقد تناسى بأن ابنه الآخر متهم بتعاطي المخدرات وقضايا فساد تتعلق بالأمر.
وعمد الرئيس الأميركي المرشح لولاية ثانية في انتخابات الثالث من نوفمبر القادم إلى الرد بإسلوب رعاة البقر، حيث وصف منافسه على أنه “دمية في يد اليسار الراديكالي” سواء بشأن قضايا الصحة او الأمن أو المناخ.. واعتبر البعض أن هذا الردح إنما يعكس حالة الإفلاس السياسي الذي طغى على جو المناظرة التي خرجت عن آداب الحوار.. وأثارت حفيظة الرأي العام.
ورغم ذلك أبدى بايدن قدرة على الصمود عكس ما كان يُتَوَقَّعْ، كما ركز نظره أكثر من مرة على الكاميرا ليطلب من الأميركيين أن يتوجهوا الى صناديق الاقتراع لتجنب “أربع سنوات إضافية من الأكاذيب”.المناظرة بين ترامب وبايدن كانت وفق خبراء “أسوأ مناظرة في التاريخ” لكنها كشفت النقاب عن أزمات مقبلة قد تشهدها الاباد تندرج في خانة الصراع العرقي الموءود.
فقد نبهت هذه المناظرة العقل الأمريكي الجمعي إلى خطورة شعارات تفوق العرق الأبيض، والذاكرة الأمريكية مكتنزة بالممارسات الإرهابية العنصرية التي كانت تمارسها المنظمات المنضوية تحت اسم “كو كلوكس كلان”.. وهو اسم يطلق على عدد من المنظمات الأخوية في الولايات المتحدة الأمريكية منها القديم ومنها من لا يزال يعمل حتى اليوم تحت عباءة ترامب. وتؤمن هذه المنظمات بالتفوق الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية ومعاداة الكاثوليكية والإسلام، وتعلن عن كراهيتها للمثلية، والأهلانية التي تهتم بمصالح السكان الأصليين. ويحدثنا التاريخ الأمريكي عن الممارسات الإرهابية الشنيعة لهذه المنظمات ضد الملونين وخاصة السود والهنود الحمر وهو ما يتجلى في خطابهم الإعلامي عبر صفحات أبرز قادتها في مواقع التواصل الاجتماعي.. من هنا تكمن خطورة استقواء ترامب بهذه الجماعات التي تم إحياء فكرها العنصري ومبادئها الفوقية، وخاصة أنها أبدت تأييدها الصريح لترامب الذي اعتبرته آخر الرؤساء المؤيدين لنهجهم العنصري، والفرصة الأخيرة لتفعيل أفكارهم قبل أن تسودَ أمريكا البروتستانتية الأعراقُ الأخرى؛ رغم أن جميع الكنائس المسيحية تقريبًا بما فيها البروتستانتية التي تعتبر القاعدة الانتخابية التقليدية للجمهوريين ومنهم ترامب، نددت رسميًا بأفعال “كو كلوكس كلان” والتي ظهرت في حلة جديدة لترفع شعاراتها وراء ترامب، الرئيس المتهور الذي لا يتوانى عن المقامرة حتى بمبادئ الاتحاد الديمقراطية.
ولكي نفهم عقلية ترامب العنصرية، وكيف أنه يقفز عن الأسباب الموضوعية للأزمات المحلية نحو تعميق الفجوة بين مكونات الشعب الأمريكي الفسيفسائية؛ من خلال غرس “فوبيا خطر الأقليات العرقية” في العقل الأمريكي ذو التوجه البروتستانتي السائد..
حتى نغهم ما أشار إله بايدن أثناء المناظرة التصادمية، بأن ترامب يرفض التعهد بنقل سلمي للسلطة في حال خسارته الانتخابات.. وفي وقت سابق كان يشير إلى الجماعات العرقية الأمريكية التي تناصره وهي مسلحة بكامل عتادها.. وهذه سقطات لها دلالاتها الخطيرة.. والتي تثير عاصفة من الأسئلة المبهمة! وتسترعي البحث في جذور المشكلة..
تقول الإحصاءات التي نشرها معهد “بيو” للأبحاث، بأن ما نسبته 81 بالمئة من الإنجيليين البروتستانت البيض يرون أن ترامب “يحارب من أجل ما يؤمنون به”، رغم إثارته للجدل مراراً بشأن مواقفه من الأقليات والمهاجرين والديانات الأخرى، بل وعلى صعيد ممارساته الشخصية.
فمنذ مقتل الأمريكي الأسود “جورج فلويد”، في 25 مايو الماضي، تعرض ترامب للكثير من الانتقادات إزاء إدارته للأزمة وهو ما فعله بايدن في المناظرة بينهما، ولا سيما تركيز ترامب على وصم المتظاهرين بـ”المخربين” و”الإرهابيين المحليين” على حساب معالجة السبب الأصلي لنزولهم إلى الشوارع، وهو “العنصرية المتجذرة” في مؤسسات الدولة.. فبدلاً من تقديم الحلول قفز عن الأسباب وعوم العنصرية لبناء فوبيا “الخوف على البيض من الأقليات العرقية”، دون أن يدرك بأنه بذلك قد أعطى الخصوم الديمقراطيين مبررات اتهامه بالعنصرية المقيتة فنجحوا في ذلك. فهل يكفي رهان ترامب على البيض البروتستانتين لتحقيق فوزه المنشود في ظل خسارته لبعض الأوراق الأخرى مما تتعلق بالصحة والضرائب التي هزت ثقة الناس به!
واعتبرت عدة تقارير تناولت هذا المشهد أن “قراءات” خاصة للإنجيل والمسيحية، فضلا عن موروثات “العهد القديم”، أي التوراة لدى اليهود، تساهم في خلق تلك الشخصية “المحافظة والعنصرية” في آن واحد، كما ساهمت قبل قرون في تبرير الاستعباد. ورغم ذلك فإن أصوات اليهود الأمريكيين في الغالب تذهب إلى الديمقراطيين لأنهم في عرف “كو كلوكس كلان” مجرد أقلية دينية تشكل 6% كما هو حال المسلمين الذي يشكلون 1%.. وقد سرهم أن بايدن استخدم في سياق مناظرته مع ترامب عبارة” إنشاء الله” وكأنه يمنح المسلمين الأمان فيما لو فاز بالانتخابات المقبلة.
في المحصلة.. وحسب البروفسور آرون كال، الاستاذ في جامعة ميشيغان والمتخصص في المناظرات الرئاسية، فإن “هذه المناظرة ستبقى إحدى أسوأ المناظرات في التاريخ”، مضيفاً لوكالة فرانس برس، أن بايدن تعهد بقبول نتائج الانتخابات، بينما اكتفى ترامب بالتاكيد مرة جديدة وبدون تقديم أدلة على أن التصويت بالمراسلة الذي يبدو أنه سيستخدم بكثرة بسبب وباء كوفيد-19 سيشجع على “التزوير”.
ومن المرتقب تنظيم مناظرتين أخريين في اليوم الخامسة عشرة والاثنين والعشرين من أكتوبر الجاري، وعلى التوالي، في ميامي بفلوريدا وناشفيل في تينيسي.
وسيتواجه نائب الرئيس الأميركي الجمهوري مايك بنس مع المرشحة لمنصب نائب الرئيس من جانب الديموقراطيين (كامالا هاريس) في السابعة من اكتوبر في (سولت لايك سيتي) بولاية (يوتا).. وأتوقع أن يكون الخصمين أكثر جاهزية وانتباهاً من المناظرة التي انقضت بصعوبة بالغة.
النتائج مرهونة على مدى تمسك الشعب الأمريكي بضرورة التركيز على كفاءة الرئيس وحسن أخلاقه وتمسكه بمثل ومبادئ الاتحاد الديمقراطية بعيداً عن إثارة الفتن العنصرية التي تعتبر وقوداً لأية حرب أهليةأمريكية قد تلوح في أفق “المخيلة الأمريكية” ولو أن كثيرين من الخبراء المراقبين يستبعدون ذلك تماماً.. ويعتبرون الحديث عن ذلك مسلكاً تضليلياً يضخه الإعلام الأمريكي المجير للديمقراطيين؛ لسحب البساط من تحت أقدام ترامب الذي يراهن على تأثير موقفه المؤيد لنظرية “حماية العرق الأبيض البروتستانتي” على قاعدته الشعبوية.. رغم محاولاته الحثيثة في عدم إظهار ميوله العنصرية حتى لا يخسر أصوات الأعراق الملونة الأخرى.. في معركة انتخابية تعتبر الأقذر في التاريخ الأمريكي الطويل.
1أكتوبر 2020