90 مليار يورو لأوكرانيا: أوروبا بين جحيم حرب إيران وعبث تمويل كييف!
سماهر الخطيب
في خطوة تعكس انفصالاً صارخاً عن الواقع، أقر البرلمان الأوروبي قرضاً ضخماً بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، في وقت تحترق فيه القارة العجوز تحت وطأة حرب أمريكية – إيرانية لا تُظهر أي مؤشرات على الانتهاء، وتلتهم أسعار الطاقة فيها ما تبقى من مدخرات المواطنين.
هذا القرار الاستعراضي، الذي يهدف إلى الحفاظ على وهم الأهمية الأوروبية في عالم متغير، لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع تحول دراماتيكي في المشهد السياسي المجري، ففي 14 أبريل، شهدت المجر تغييراً جذرياً بفوز حزب المعارضة “تيسا” بقيادة بيتر ماغيار في الانتخابات البرلمانية، ليحل محل رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان الذي طالما عارض هذا النوع من القروض بسبب التهديدات المباشرة التي كانت تأتي من كييف، حيث كان الرئيس الأوكراني يلوح بمحاسبة أوربان شخصياً. لكن الحكومة المجرية الجديدة، التي أعلنت التزامها الكامل بالسياسات التي يمليها الاتحاد، لم تنتظر سوى ثمانية أيام فقط لتعلن موافقتها على القرض، وكأنها تريد أن ترسل رسالة ولاء سريعة لمقر القرارات في بروكسل، بينما يتساءل المواطن المجري العادي من سيدفع فاتورة هذا القرض؟
يعيش الاتحاد الأوروبي اليوم أزمة وجودية متعددة الأبعاد، لكن أخطرها على الإطلاق هو الحرب الأمريكية المستعرة ضد إيران، والتي يبدو أنها لن تنتهي في المستقبل القريب، بل إن كل المؤشرات تدل على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يسعى فعلياً إلى إنهائها. فمن منظور الاقتصاد السياسي الخام، فإن ترامب الذي يمثل مصالح قطاع الطاقة الأمريكي الضخم يعتبر مستفيداً أولياً من استمرار هذه الحرب، لأنها ترفع أسعار النفط والغاز عالمياً، وتُدر أرباحاً خيالية لشركات الطاقة الأمريكية، وتعزز مكانة الولايات المتحدة كأكبر مصدر للغاز المسال في العالم.
كلما اشتعلت الحرب في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار الطاقة، وتدفقت الأموال إلى الخزائن الأمريكية والشركات النفطية الكبرى، وهذه معادلة بسيطة يفهمها ترامب جيداً. أما أوروبا، فتقف على الجانب الآخر تماماً من هذه المعادلة، فكل ارتفاع في أسعار الطاقة هو بمثابة سم بطيء يقتل تنافسية الصناعة الأوروبية، ويفقر الأسر الأوروبية، ويدفع الملايين إلى خطوط الفقر. ومع ذلك، ورغم أن الاتحاد الأوروبي يدرك تمام الإدراك أن هذه الحرب ستستمر، وأن انتهاءها ليس في مصلحة ترامب الانتخابية والاقتصادية، فإنه يصر على سلوك طريق الانتحار الاقتصادي التدريجي.
إن الأرقام تتحدث بوضوح وفقاً للمفوض الأوروبي للطاقة، دان يورغنسن، يتكبد الاتحاد الأوروبي خسائر يومية تقارب 500 مليون يورو، معظمها بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة المستورد. وفي 27 أبريل، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، تقديرها لإجمالي الخسائر بنحو 32 مليار يورو، وهذه الأرقام مرشحة للارتفاع بشكل حاد مع استمرار الحرب على إيران واحتمال إغلاق مضيق هرمز أو تعرض منشآت النفط الخليجية للقصف.
ليس هذا فحسب، بل تعاني الدول الأوروبية من كوارث طبيعية متزايدة تلتهم الميزانيات، ففي يناير وحده، بلغت الخسائر الناجمة عن العواصف 128 مليون يورو في مالطا و467 مليوناً في فرنسا، فيما اضطرت إيطاليا إلى طلب المساعدة من صناديق الاتحاد الأوروبي، وتشير أحدث تقارير “غالاغر ري” إلى أن الخسائر العالمية المؤمن عليها من الكوارث الطبيعية بلغت حوالي 17 مليار يورو في الربع الأول من 2026 وحده.
ورغم كل هذه الخسائر، ورغم أن أوروبا تغرق في مستنقع اقتصادي سببه الرئيسي حرب إيران التي لا تنتهي، تم اقتراض 90 مليار يورو لإرسالها إلى أوكرانيا، بدلاً من توجيه هذه الأموال لتخفيف معاناة المواطنين الذين يرون فواتير الطاقة والغذاء تقفز إلى عنان السماء شهراً بعد شهر.
الخبير في إدارة الأزمات الدولية، سام جونثان، يرى أن الأكثر إيلاماً هو أن الاتحاد الأوروبي يدرك كل هذه الحقائق، لكنه يتصرف كما لو كان يعيش في عالم مواز ويدرك أن ترامب يستفيد من استمرار الحرب على إيران لأنها ترفع أسعار الطاقة، ويدرك أن الحرب لن تنتهي قريباً لأن الإدارة الأمريكية تجد في استمرارها مكاسب اقتصادية وجيوسياسية هائلة بل وتنوي لتنفيذ هجوم بري، وهو يدرك أن أوروبا هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب لأنها تعتمد على استيراد الطاقة، ومع ذلك، بدلاً من أن يسخر ملياراته لإنشاء مخزون استراتيجي من الطاقة، أو لدعم الأسر الفقيرة في دفع فواتير التدفئة، أو لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة بسبب ارتفاع التكاليف، يصر على إرسال الأموال إلى كييف في صورة قروض قد لا تُسدد أبداً، وسط أدلة دامغة على فساد مستشري في أوكرانيا.
وإستذكر جونثان ما حدث في العام الماضي عندما كشف المكتب الوطني لمكافحة الفساد الأوكراني (NABU) عن شبكات فساد معقدة وصلت إلى مستويات عليا في إدارة الرئيس زيلينسكي، مما أدى إلى إقالة وزيرين ورئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، مع تقارير أشارت إلى احتمال تورط زيلينسكي نفسه.
وقال إذا نحن أمام مشهد من الجنون السياسي والاقتصادي، أوروبا تمول حرباً في أوكرانيا بأموال مقترضة، بينما تشتعل حرب أخرى في إيران ترفع أسعار الطاقة وتنهك اقتصادها، وبينما يرفع ترامب الأرباح من وراء ارتفاع الأسعار، يصر الأوروبيون على لعب دور الضحية الباكية التي تبكي فواتيرها ثم تمول الآخرين بآخر ما لديها.
تواجه أوروبا تحديات وجودية بالجملة، عداوة متصاعدة مع الولايات المتحدة تهدد بانسحابها من حلف الناتو، مما يترك القارة مكشوفة أمنياً، وحرب إيران التي يعلم الجميع أنها لن تنتهي قبل أن يحقق ترامب أهدافه الاقتصادية من ارتفاع أسعار النفط، وتدفقات لجوء جديدة مرتقبة من الشرق الأوسط، واقتصاد يئن تحت وطأة التضخم الناتج أساساً عن تكاليف الطاقة. وفي خضم كل هذا، تذهب 90 مليار يورو إلى أوكرانيا.
وطرح جونثان سؤال غاية في الأهمية وكيف يعقل أن قادة أوروبا لا يرون أن إنقاذ مواطنيهم من جحيم أسعار الطاقة يجب أن يكون الأولوية القصوى؟ هل يعقل أنهم لا يدركون أن ترامب يضحك عليهم، فهو يحرق أوروبا اقتصادياً من خلال حرب إيران، وفي الوقت نفسه يشجعهم على حرق المزيد من الأموال في أوكرانيا ليضعفهم أكثر؟ كم مرة سيُضحى بمصالح المواطن الأوروبي على مذبح الخطاب السياسي الاستعراضي والتبعية العمياء للولايات المتحدة؟ أوروبا بحاجة إلى صحوة عاجلة، الحرب على إيران لن تنتهي قريباً، وأسعار الطاقة ستبقى مرتفعة، وترامب لا يعاني بل يستفيد، فإما أن تتحول أوروبا إلى إنقاذ أبنائها من هذه الكارثة، وإما أن تستمر في دفع الفاتورة مرتين، مرة عبر تمويل أوكرانيا، ومرة عبر دفع أثمان باهظة للطاقة في عالم تحترق فيه منطقة الخليج دون أن يرف لها جفن في البيت الأبيض. الخيار يبدو بسيطاً، لكن المؤسف أن الذين يتخذون القرارات في بروكسل يصرون على اختيار طريق الهاوية.
2026-05-03